الروائي العراقي جاسم الرصيف

سيرة ذاتية للروائي العراقي جاسم الرصيف وأعماله الروائية المنشورة مع بعض المقالات .

Monday, October 02, 2006

الروائي العراقي جاسم الرصيف

Tuesday, September 26, 2006

صورة شخصية

Saturday, July 29, 2006

جاسم الرصيف

تجليات التجديد في رواية " أبجدية الموت حبّا ً " ، الدكتور جميل حمداوي . المغرب

تجليات التجديد في رواية "أبجدية الموت حبا" لجاسم الرصيف
للدكتور جميل حمداوي
jamilhamdaoui@yahoo.fr

تعد رواية( أبجدية الموت حبا) التي نشرتها المؤسسة العربية للدراسات والنشر( بيروت / لبنان) سنة 1991م من أهم الروايات التي كتبها الروائي العراقي الكبير جاسم الرصيف إلى جانب روايات أخرى : كالفصيل الثالث، و القعر، و خط أحمر، و حجابات الجحيم، و تراتيل الوأد، وثلاثاء الأحزان السعيدة، و مزاغل الخوف. وتتميز أبجدية الموت حبا أنها رواية تتناول تيمة الحرب العراقية الإيرانية بطريقة فنية جديدة تعتمد على التوازي السردي والمفارقات الزمنية. إذاً، ماهي مظاهر التجديد في هذه الرواية؟ وماهي الأبعاد المرجعية التي تحيل عليها هذه الرواية العراقية المعاصرة؟
تصور رواية( أبجدية الموت حبا) الحرب العراقية الإيرانية القذرة التي امتدت من 1980 إلى1988، وانتهت ميدانيا لصالح العراق. بيد أن الرواية تركز على فترة معينة ومكان معين. أي إن الرواية تصور الصراع العسكري حول منطقة الفاو التي تقع في جنوب العراق في السنة السادسة من عمر الحرب ، بعد أن استولى عليها الإيرانيون لموقعها الساحلي الاستراتيجي، ولم يسترجعها الجنود العراقيون إلا بعد معارك ضارية وحامية الوطيس.
وإذا تأملنا مضامين الرواية سنجد تداخلا في الأحداث وتقاطعا سرديا نتيجة اعتماد الكاتب على تقنية التقطيع السينمائي والمونتاج في تركيب اللوحات المفككة بنيويا وعضويا؛ ولكنها متكاملة من حيث الدلالة والرؤية الفنية على غرار رواية الوشم للروائي العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي، وبدر زمانه لمبارك ربيع الروائي المغربي...
هذا، وتضم رواية جاسم الرصيف ثلاث لوحات دلالية متكاملة:
1. لوحة المجند الذي سيقاد قهرا إلى حرب يائسة ومظلمة بدون أن يفهم أهدافها وفلسفتها بعد ضياعه الوجودي و فشله في دراسته وغضب والده عليه. وسيخوض تجربة القتال مع مجموعة من رفاقه الشباب، وسيتعلم بسرعة أبجدية الحرب والموت، وأوليات الانضباط العسكري، ومتطلبات التدريب القاسي الذي كان يفرضه عليه عريفه، وكل هذا من أجل استرجاع منطقة الفاو بأقصى سرعة. وقد استطاع هذا المجند المستجد في الأخير أن يتكيف مع واقع الموت بصبره الجميل وثباته الكبير إلى أن حقق النصر ورفع راية وطنه في تربة الفاو. وبذلك حول كينونته الضائعة إلى إنجاز وجودي هادف.
2. لوحة المرأة المجندة التي اختارت النضال والاستشهاد مع مجموعة من المقاتلين للدفاع عن الفاو لطرد الطغمة العسكرية الإيرانية المحتلة. بيد أن استبسال هذه المرأة المقاومة في الحرب سيتحول إلى أسر واعتقال واستنطاق وتعذيب من قبل أعدائها الذين حولوا جسدها إلى مرتع للاشتهاء و برك من الدماء المسالة إلى أن رأت نصرهم يتحول إلى هزيمة نكراء.
3. لوحة ذاكرة الفاو في تاريخها الممتد في الزمان، وما كان يعانيه الأهل من ظلم وقهر واستعباد وفقر وجوع ومرض. إنها أرض التناقضات والقيم المنحطة. كما أنها مرفأ المقاومة والنضال ومجابهة المعتدين الغزاة، و الأتراك المتسلطين المستبدين، ومقاومة الإنجليز المتوحشين الذي كانوا يستهدفون نهب ثروات المنطقة.
فالرواية – إذاً- عبارة عن مجموعة من اللوحات المتكاملة التي تتداخل في المتن القصصي والحكائي تقاطعا وتفاعلا لتشكيل رؤية الكاتب للعالم القائمة على نبذ الحرب و العدوان والاحتلال. وتندرج الرواية أيضا ضمن الرواية الحربية التي جسدت أهوال الحرب بين النصر والهزيمة على غرار مجموعة من الروايات العربية الحديثة كـــ (الزيني بركات) لجمال الغيطاني، و(رفقة السلاح والقمر) لمبارك ربيع، و(يحدث في مصر الآن) ليوسف القعيد، و(رجال وجبال ورصاص) و(المحاصرون) لفؤاد حجازي، و(المصير) لحسن محسب، و(أبناء الصمت) لمجيد طوبيا...
ويعني هذا أن تيمة الحرب تيمة جديدة في الرواية العربية الحديثة والمعاصرة، ولاسيما الحرب العراقية الإيرانية التي حصدت كثيرا من الأرواح، وزهقت فيها كثير من النفوس، وقتل فيها الكثير من الشباب ظلما وعدوانا، وذلك لأسباب واهية عقائدية وإيديولوجية. ومن ثم، ستبقى هذه الحرب في تاريخ الأمة العربية والإسلامية حربا قذرة كحرب البسوس أوحرب داحس والغبراء، و ستظل عارا و خيبة وفتنة كبرى وجاهلية لا مثيل لها في التاريخ المعاصر.
وتتسم شخصيات الرواية بالضياع وانعدام الهوية واستلابها التشييئي، والدليل على ذلك فقدانها لأسمائها الإنسانية ، ومبادئ كينونتها الوجودية، وتعويضها بالضمائر التي تحيل على كائنات ورقية مجهولة كشخصيات الرواية الجديدة ( كافكا- محمد عزالدين التازي- عمر والقاضي...). كما أن الأمكنة في الرواية ذات طابع عدواني توحي بالرعب والقهر والخوف والموت، إنها فضاءات سوداوية وأمكنة مأساوية جنائزية( المركز- ساحات التدريب- الخنادق- الساتر- البرك الموحلة- الميدان...).
وعلى مستوى المنظور السردي نلاحظ تعدد الرؤى السردية( الرؤية الداخلية- الرؤية من الخلف...)، وتعدد الضمائر السردية( ضمير التكلم، وضمير الغائب...)، وتعدد الرواة( الراوي المجند- الراوية المجندة- سارد ذاكرة الفاو...)،وتعدد الأساليب( السرد والحوار والمنولوج...)، وتعدد اللغات تهجينا وأسلبة( الفصحى القديمة والحديثة، العراقية، التركية، الإنجليزية...)، وتعدد الخطابات( خطاب التاريخ، الخطاب الفانطاستيكي الذي يتمثل في تحول الكائنات البشرية إلى حيوانات فظيعة، الخطاب السياسي...). وهذا التعدد يجعل من هذه الرواية رواية بوليفونية( متعددة الأصوات) بمفهوم الناقد الروسي ميخائيل باختين. أما البنية الزمنية فهي تتسم بالمفارقة والارتباك الناتج عن التقاطع الزمني وتداخل الماضي والحاضر وتوازي الإيقاع السردي بسبب تقطيع اللوحات بطريقة سينمائية لإرباك القارئ وتخييب أفق انتظاره. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى الكفاءة الروائية التي يمتلكها جاسم الرصيف، ومدى قدرته على تطويع الفن الروائي، وكثرة انفتاحه على النصوص الروائية الجديدة في الثقافتين: العربية والغربية قراءة وتمثلا، وانفتاحه على الخطاب النقدي المعاصر اطلاعا واستيعابا.
وتمتاز اللغة الروائية بطابعها التقني التوثيقي لاستخدام الكاتب لمعجم الحرب كثيرا( الدبابة، الهاون، الرشاش، الخنادق، مركز التدريب، الخوذة، الساتر الحربين العريف، الفصيل...)، كما تمتاز اللغة بالجزالة والقوة التعبيرية واستعمال اللهجة العراقية التي ساهمت في تبيئة النص وأضفت على النص نوعا من الرصانة ومتانة السبك والإغراب اللغوي، والتصوير التقريري الموضوعي الذي يخلو من الإنشائية الشاعرية والمستنسخات النصية .
ومرجعيا، يدافع الكاتب عن أطروحة العراق العسكرية على الرغم مما يقال عن قذارة هذه الحرب الحمقاء التي أودت بالكثير من الأبرياء بسبب التعصب الأعمى وانعدام الديمقراطية وتفشي الاستبداد في البلدين المتحاربين. وكنت أنتظر من الكاتب أن يرفض هذه الحرب، وأن يستنكرها كما أشار إلى ذلك في بداية الرواية؛ لأنها حرب عمياء تعبر عن غطرسة الحكام وتجبرهم، فلا نصر فيها ولاهزيمة. بيد أن الكاتب انحاز إلى جانب العراق لعاطفته الوطنية الفطرية، ولم يذكر دواعي هذه الحرب ويشخصها بدقة ويعبر عنها بصدق؛ لأننا نعرف جميعا أن العراق هي التي بدأت العدوان، وفرضت حربا شنعاء على إيران لخدمة مصالح الغرب و عملائه المتخاذلين.
وأخيرا، تعتبر رواية أبجدية الموت حبا رواية جديدة في أدبنا العربي الحديث والمعاصر إن مضمونا وإن شكلا؛ لأن الكاتب تناول تيمة الحرب بطريقة معبرة موحية تجمع بين التوثيق الصحفي والانطباعية الإنسانية الحزينة التي يشوبها في نهاية النص نوع من التفاؤل بالنصر والحياة. واستخدم في تعبيره عن ضراوة الحرب الجنائزية أسلوب التوازي السردي والمفارقة الزمنية والتقطيع السينمائي وتقنيات الرواية البوليفونية لخلق نص حداثي يتسم بالتجريب والتجديد والاستفادة من تقنيات الرواية الغربية والسرد العربي القديم.
وأقول بكل صراحة : إن جاسم الرصيف لروائي عربي كبير في مجال الكتابة السردية، ومن القمم الروائية التي ينبغي أن ننصت إليها جيدا وأن نهتم بها كثيرا. كما يعد من الأقلام الجريئة التي صورت الحرب العراقية الإيرانية واستبداد النظام العراقي الحاكم تصويرا صادقا موثقا بطريقة فنية رائعة وجميلة.
الدكتور جميل حمداوي .( عمرو) . المغرب .//
Jamil Hamdaoui (Amar) /Jamilhamdaoui@yahoo.fr

" تراتيل الوأد " رواية سوريالية، الدكتورة مي أحمد

تراتيل الوأد رواية سوريالية لجاسم الرصيف

د . مــــي أحمد
Friday, 28 July 2006

النسخة التي بين يدي من الرواية هي طبعتها الثالثة الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت 2004 . غير ان غلافها الاخير يقول انها صدرت في طبعتها الاولى عام 1992 وفازت بجائزة الرواية الاولى في العام 1994
ولست أدري هل كان كل ذلك داخل العراق ام خارجه ..... فأنا اعرف ان هذه الرواية قد أحالت مؤلفها جاسم الرصيف الى السجن لمدة عشر سنوات ومنذ ذلك التاريخ لم أعد اعرف عن الرجل الا نتفا من الاخبار من هنا وهناك ... الحمد لله على كل حال وأي حال .
سأقدم قراءتي لهذه الرواية التي تقع في 310 صفحة من القطع المتوسط ... وليسمح لي القاريء الكريم فهي قراءة مليئة باسقاطاتي الذاتية فقد كنت في الموصل أثناء أحداث هذه الرواية ... وفيما بعد في بغداد كي يكتمل مشهد المأساة أمام عيني .

جاسم الرصيف :
قبل اسبوع كتبت ايميلا لصديق شاعر معروف جدا يقيم حتى الان في مدينة الموصل ، سألته ان يحكي لي كل ما يعرف عن جاسم الرصيف ... ومن ضمن ما كتبه لي الصديق الذي اتحفظ على ذكر اسمه هذه الفقرات التي اقتطعها لكم كونها ستدخل في قلب رواية تراتيل الوأد :
(( ولد جاسم الرصيف في قرية ( الهرم ) التابعة لناحية ( حمام العليل ) من محافظة نينوى ، ثم انتقلت عائلته الى (الموصل )، بسبب شح ألأمطار وضآلة محاصيل الحنطة والشعير التي أدمن زراعتها أبوه عن جده عن أبيه ، ودخل جاسم المدرسة حتى تخرج من الثانوية . و كان طالبا غاية في المشاكسات مع المدرسين وحتى الطلاب ، ربما لأنه ألإبن المدلل كونه الذكرالوحيد من بين خمس أخوات أصغر منه ، وربما لأسباب أخرى قد يمر ذكرها لاحقا
.....................

لم تنقطع علاقتهم بالقرية قط ، ولحد ألآن ، وهذه القرية التي تبعد عن ( الموصل ) ثلاثين كيلومترا في أبعد بيوتها عن المدينة ، وتبعد مجرد كيلو مترين عن أهم شارع من شوراع العراق : طريق الموصل ــ بغداد .
مازالت القرية ( حتى 2006 ) تكتال مياه الشرب في الشتاء من بركة كبيرة تجاورها ، يدعوها أهل الهرم ( الخبرة !! ) الملآنة بدعاميص الضفادع وأنواع شتى من الحشرات ، يسخر أهل الهرم من تحذيرات المتعلمين من داعيمصها وحشراتها فيصفونها ساخرين : لحوم غير ضارة في مياه الطبخ والشرب ، ولا بأس من أكلها ! .
......................
ينتمي جاسم الرصيف الى عشيرة ( السادة البوبدران ) الذين يعودون في نسبهم إلى ( بني هاشم ) ، وهذه العشيرة تمتد من شمال محافظة نينوى إلى سامراء والبصرة جنوبا وإلى دير الزور والرقة والحسكة ودمشق في سوريا غربا وألأردن والسعودية ودول الخليج العربي ألأخرى .
كان جده ( خلف حسين عبد الله الرصيف البدراني ) قد نال إرثا من ذويه في دير الزور مما يؤكد لي أنهم قدموا من هناك الى العراق قبل ( سايكس ــ بيكو ) يوم كانت الأرض العربية لمن يسكنها أيا كان ، كما أن جده وعمه ألأكبر محمود ووالده قد ذهبوا لزيارة أقاربهم في دير الزور عشرات المرات على ظهور الخيل .
من أبرز ما علمته العائلة ( الرصيف ) لابنها جاسم ، حب الصيد والرماية .
الشجاعة من أشهر ما هو معروف عن عائلة جاسم ، ولذلك تحاشت العوائل ألأخرى المشاكل معهم ، بعد أن أسس (خلف الرصيف ) للعائلة إرثا عريضا في هذا المجال مذ كان شابا أيام العهد العثماني وضربت المجاعة قرانا في الموصل فترة طويلة فراح ( خلف الرصيف ) يغير على ثكنات الجندرمة ألأتراك ويسرق من مخازنها الطعام لعائلته وعوائل أولاد عمه في نفس الوقت ، وقد خاض عدة معارك مع الجندرمة التركية بسبب سطواته تلك ، خاصة وأن رجالا آخرين من أولاد عمومته قد إنضموا إليه ، فصدرت بحقه ثلاثة أحكام بالاعدام لم يعرها بالا وهو يردد ، ومازلت أتذكر ذلك عنه : مادمت طير برية فلن أخاف أحدا غير الله !! )) .

معنى كلمة الوأد :

حين تفتح القاموس المحيط ستجد من معاني كلمة الوأد
# دفن البنات المولودات وهن حيات كما كان يحدث في زمن الجاهلية
# الصوت المنبعث عن انهيار كيان ضخم
أما تراتيل الوأد ... فهي هدير الطائرات القاصفة وأصوات الانفجارات وصراخ البشر الذي صاحب انهيار كيان ضخم .. قد يكون هذا الكيان هو العراق ... لكني بصورة أدق أراه انهيار كيان العراقي ... كما ستحصل في نهاية الرواية حادثة وأد لبنت يقل عمرها عن سنة .
ثيمة الرواية :

الثيمة أو جوهر الفكرة التي أسست الرواية تريد القول : ( الحدث كان أكبر منا لذلك انهارت صورة المثال في أعيننا .. فنكصنا ) .
والنكوص كما سنرى سيكون نكوصا فرديا .. ونكوصا اجتماعيا .
ما معنى النكوص ؟

في مفاهيم علم النفس ومفاهيم علم الاجتماع ... ينشأ الانسان صغيرا ثم يكبر، لكل مرحلة عمرية من حياته نوع من السلوك والاعتماد على الغير ، حين يكون الطفل رضيعا فهو يعتمد على الغير تماما وحين لا يلبي له الغير متطلباته فهو يبدا بالبكاء .
كلما كبر هذا الرضيع قل اعتماده على الغير وقل بكاؤه .. الى ان يصير رجلا بالغا كاملا قادرا على تصريف كل أموره بنفسه دون تذمر أو شكوى حتى لو كان واقع الحال يتطلب ذلك .
يحصل في حياة البعض منا أن تقع لهم مشاكل أكبر من طاقتهم أو قدرتهم على المواجهة أو التحمل ، عندها يتخذ بعض البشر من النكوص ميكانزم دفاعي ليساعدهم على المقاومة والاستمرار ... فينكصون الى مرحلة عمرية أقل ، حين كانوا يطلبون العون من الغير ، الأب أو الاخوة أو الاهل والاصدقاء ... وهذا ليس عيبا اذا كان لفترة محدودة جدا .. لكن بعض الافراد تكون مشاكلهم كبيرة وحادة لا يستطيعون مواجهتها حتى بعد انتهاء أزمتها ، عندها يتقوقعون داخل حالة النكوص ولا يغادرونها بعد ذلك .. عندها يتحول النكوص الى حالة نفسية أو مرض نفسي .
أما النكوص الاجتماعي فمصيبته أكبر وأعم وأشمل . المجتمع الانساني يعيش مثل كائن حي يولد طفلا ثم يكبر وتعتريه عوارض عدة . حين ينمو المجتمع سليما فانه يمارس آلياته في التفكير والتعلم وممارسة الحياة والقيم بشكل طبيعي ، والانسان بطبعه محب للتغيير والتطور .
تحصل في بعض المجتمعات حركات لنبذ القديم واحلال الجديد محله في التفكير واسلوب الحياة ، ومن سوء حظ ذلك المجتمع المعين ، أن تترافق مع حركته التجديدية آفة لا علاقة لها بالتجديد ، فيضان أو غزو جراد ، أو حرب لسبب عادل أو غير عادل ، هذه الآفات تصيب المجتمع بأذى فادح يكون غير قادر لاعلى رده .... ولاعلى تحمله .. عندها ينكص المجتمع .
لكن المجتمع لا أب له أو اخوة أو أصدقاء ... اذن كيف سيكون نكوصه ؟
حين ينكص المجتمع .. فانه يتخلى على الفور عن جديده في التفكير واسلوب الحياة .. ويعود ليس الى القديم .. بل الى ما هو أقدم منه ، فيحاكيه في الافكار واسلوب الحياة .. لا بل أحيانا حتى في طراز الملابس .. ألم تلاحظوا كم الرجال الذين عادوا الآن الى ارتداء الدشداشة والعباية مع انهم الى ما قبل سنوات قليلة كانوا يرتدون الزي الرجالي المتعارف عليه عالميا ؟
ولن نتحدث عن الحجاب مخافة أن تدخلونا في متاهات نسائية اذا كان لها اول فليس لها آخر .
وليت الامور توقفت عند هذا ... فالناكصون الأوائل سيبدأون بمحاربة من لم يعتريهم النكوص باعتبارهم خارجين على اجماع الملة ... وتستمر العملية الى ان يندحر المجتمع بأكمله ... فكريا وثقافيا وحضاريا .. قبل أي أي شيء آخر .

قصة الرواية :
القصة التي تدور بين ارجائها أحداث رواية تراتيل الوأد هي قصة عائلة مكونة من أب وثلاثة من أبنائه أثناء فترة العمليات العسكرية التي صاحبت إخراج القوات العراقية من الكويت عام 1991 .

حبكة الرواية :
حبكة الرواية حبكة هشة فهي ليست صراع بين قوتين حتى لو كان بينهما أي مقدار من الفرق في القوة .
بل هي هذيانات أو ( تراتيل ) تتداخل فيها الاصوات والكلمات والصور الى الحد الذي ترى وتسمع فيه كل شيء ، لكنك في نفس الوقت لاترى شيئا ولا تسمع شيئا .. لأن فوضى الحرب تخلط الحابل بالنابل .

صورة حبكة الرواية تشبه بالضبط صورة حجر ضخم يقذف بقوة الى بركة ماء محيلا إياها الى رذاذ متناثر في كل الإتجاهات حيث لارابط ولا سلطة ولا قيمة . عندها يقع الانهيار .

الاسلوب السردي للرواية :

اعتمد جاسم الرصيف على اسلوب كتابة يوميات الحرب يوما بيوم منذ يومها الاول 17 كانون الثاني 1991 ولغاية يوم وقف العمليات العسكرية للحرب في 27 شباط 1991 .
غير انه اتبع آلية مضافة وهي أن تقوم الشخصيات الرئيسة في الرواية بسرد الاحداث كل من وجهة نظرها .. وهذا بقدر ما يكشف لنا أمورا كنا نجهلها .. بقدر ما يضعنا أمام حيرة كبيرة اذ لاندري معها من نصدق ومن نكذب .
كنت قد تعرفت على هذه الآلية في الكتابة عند الكاتب الياباني راينوساكي أكوتاجوا في رائعته راشامون التي لا تقل كآبة ومأساوية وغموضا عن تراتيل الوأد عند جاسم الرصيف .

الرموز في الرواية :

بنت الجن ، رصاصة الشيش خان ذات الست خناجر ، البرتاوات ، الثعالب ، الكلاب ، الغزلان ، الانكليز ، العثمانيون ، مقبرة الطعس .
كلها كانت رموزا أحسن جاسم الرصيف استعمالها في الرواية محولا اياها الى جرح ممض عصي على الشفاء .

لغة الرواية :

لغة الرواية كانت من المحكي اليومي في أي مكان من العراق . عدا لغة خلف القشعام ، فقد كانت لغة محملة بالرموز والالغاز ويتداخل بها عقل ولسان ثمانية شخصيات تحمل اسم القشعام .
استطاعت هذه اللغة التي واربها جاسم الرصيف بين البوح والكتمان أن تسمي لنا كل شيء دون أن تقول شيئا .. كانت تتكلم في عقولنا .. دون أن تتكلم بلسانها ، وحين يصير ما في ذهنك خطرا وتعاقب عليه السلطة الحاكمة ... فأنت الذي تصورت ذلك .. لا الشخصية حكت ، ولا مؤلفها كتب ... ومع هذا .... لم يعف جاسم الرصيف من عقوبة السجن عشر سنوات ... ليس بسبب روايه تراتيل الوأد ..... ولكن بسبب ما كان يقوله خلف القشعام بالتحديد .

شخصيات الرواية :

أحسن جاسم الرصيف استغلال شخصية جده ( خلف الرصيف ) ليؤسس منها شخصية ( خلف القشعام ) . وهي شخصية اسطورية تمتلك ثمانية وجوه وثمانية اسماء هي : خلف القشعام ، أبو الابرد البدراني ، خلف أبو الابرد القشعام ، خلف البدراني ، خلف أبو الابرد البدراني ، أبو الابرد ، البدراني ، القشعام البدراني .
وانت تقرأ كلام القشعام في كل وجوهه وأسمائه عن الانكليز والعثمانيين والجوع والشجاعة والبطولة .. تتبادر الى ذهنك شخصية ( القائد الضرورة ) ... ولم يكن يعوز جاسم الرصيف إلا أن يسمي القشعام ( صدام ) حتى تتوضح الصورة نماما .
وبربط القشعام بواقع الرواية الذي هو يوميات الحرب العالمية ( الاولى ) على العراق من ثلاثة وثلاثين دولة ... يصبح من الضروري الكلام عن ( القائد الضرورة ) الذي لم تذكره الرواية باسمه أو شهرته أو كنيته ولا مرة واحدة .. لامدحا ولاذما ولا حتى ذكرا عابرا ، وذلك مبرر جدا ما دام خلف القشعام قائما بدله وعوضا عنه .
وحين تصل المواقف الى أقسى أزماتها .. تسمع جاسم الرصيف يقول (( وصب للقشعام قهوة وورث له جكارة )) في كناية عن قهوة ودخان مضيف القائد الضرورة الذي سببت لنا سياسته كل تلك المآسي ... السياسة التي لم تكن تمتلك غير الكلام الذي ليس له أي معنى ، ونحن نقاسي أصعب مآسينا الشخصية ، في سبيل خبال وجنون العظمة الذي كان يراود القائد كل حين .

( خلف القشعام ) الذي في الرواية أب لثلاثة أولاد . جواد وزيدان والمفقود .

(جواد ) ابن القشعام البكر ... هاجر الى المدينة ويرفض العودة للقرية رغم كل قساوة ظروف الحرب .
( سايب ) كما يسميه ابوه ...... لكن هذا السايب كانت له عائلة ، زوجة وولدين وطفلة رضيعة مشلولة تماما ، ومن سخرية القدر .... كان اسمها : أمل
ستقرأون فصولا مثيرة للغثيان الى حد التقيؤ .. كيف كان ( جواد القشعام ) يجمع لعائلته فضلات الطعام ... من تنكات الزبالة في أحياء الموسرين .... فقط من أجل إبقاء أفراد العائلة أحياء ، كانوا كل ماله في الحياة ، ولم يكن يستطيع أن يفقدهم بسبب شيء بسيط لا أهمية له اسمه : الجوع .
كان يجمع تلك اللقم تحت قصف المقاتلات الامريكية ... ومع هذا .... ففي نهاية الرواية ، يفقد جواد القشعام زوجته وولديه .... ولن تبقى معه غير ( أمل ) المشلولة تماما والتي لا يتحرك فيها غير محجري عينيها .
( زيدان ) ابن القشعام الأوسط ..... أخذته قادسية صدام ( المجيدة ) عدة سنوات ليكون نزيل خنادق الخوف والجوع والموت والألم ... لكنه رغم ذلك لم يفقد انسانيته ، ولا حبه للحياة .
في فترات إجازته من الجيش كان يعمل مثل حمار من أجل أن يجمع مبلغا من المال قيمته 2500 دينار عراقي .... بعد اجتياح العراق للكويت صارت لا تساوي ثمن عدة أرغفة من الخبز ، أو علبة سجائر . ومع هذا تحمل زيدان خلال فترة الحرب العالمية الاولى من 33 دولة على العراق ، مسؤولية والده .. وزاد عليها مسؤولية تحمل عبء عائلة من أم وثلاثة أطفال ، أضاعوا بطاقتهم التموينية ، إلتقاهم صدفة عند البقال الذي يسلم حصص البطاقة التموينية للمواطنين .
( المفقود ) ابن القشعام الأصغر .. ذلك الذي لم تنبت لحيته ولا نبت شارباه .. والذي لم يزل رذاذ الحليب حول فمه عندما استدعته طبول الحرب ليكون واحدا من حمله أسلحتها وراياتها .. لكنه يفقد على الفور ، هل هو ميت ؟ هل هو حي ؟ ... جرح ممض لايعرف معناه إلا من فقدوا أعزاء أحبة في نفس الظروف .
ذلك المفقود ، لم يمنحه جاسم الرصيف اسما ... لأنه كان كل الذين فقدهم الوطن .. كان أنت وأنا وهو وهي ... بعضنا فقد بالموت ، وبعضنا فقد بالتهجير ، وبعضنا فقد بالهجرة الاجبارية ، بعضنا ضعنا أسرى ، وبعضنا غيبتنا سجون الظلم ، وبعضنا فقد حين تقوقع على نفسه وأغلق باب بيته وباب عقله وصارميتا حيا يأكله الألم ...... مهما كانت نوعيه محننا فقد لمتنا صفة واحدة هي أننا ( مفقودون ) .
حين تنتهي يوميات الحرب في فعالياتها العسكرية ... سنجد زيدان الابن الاوسط ... يصرخ مولولا ينادي القشعام بكل أسمائه عله يجيب .... ولكن لا حياة لمن تنادي .
زيدان البطل الذي ضاع عمره في الخنادق والذي عانا ما عانا دون سؤال أو شكوى ... انهار ونكص . اذن من سيصمد في محنة تلك الايام ؟
أما جواد الابن الاكبر فقد كانت مأساته أكبر ... اثناء الحرب فقد زوجته وولديه في ظروف غامضة ولا يعلم موتهم من حياتهم ... ولم تبق معه غير أمل المشلولة التي لا يتحرك منها غير محجري عينيها .
عند ذاك ينكص هو الآخر ... يحمل ابنته ويذهب الى عند القشعام ، الذي ينصحه بدفن أمل أو وأدها ... في قبر القشعام نفسه ... القشعام يقول لولده جواد : لاصغار عند الشعوب التي قدر الله لها القتال ... يكاد قبري يتسع لها الآن فادفنها هناك .
تماما مثل قبر البعث اليوم عند اجتثاثه ، كم ستدفن فيه من ذكرياتنا وجهودنا وسيرنا الشخصية ، لا لشيء إلا لأنها تزامنت مع فترة كان فيها صدام والبعث هو الحاكم والمتحكم ... ولست أدري عندما يحكم بلدك حاكم ظالم ، هل عليك أن تغادر البلد وتتشرد لتثبت نظافتك ؟ اذا كان المنطق هكذا ، فهل كل أهلنا الذين بقوا في العراق مشكوك في أمرهم ؟؟؟!!!!!


شهادتي على وقائع الحرب :

يسرد جاسم الرصيف في وقائع اليوم الآول للحرب كيف ان الحيطان اهتزت ورشقهم نثار الزجاج المتطاير بالعديد من الجروح .
في نفس تلك اللحظة كنت أنا نائمة في الطابق الخامس من فندق نينوى ابروي صحوت على صوت طرق عنيف على الباب ، حين فتحت البا ب كانت الهندية المس كانجي مديرة استقبال الفندق تطلب مني بهلع أن انزل الى الملجأ ، صرخت بوجهي بالانكليزية : حـــرب ... حــرب ، لقد بدأت الحرب .
الضربة الاولى على مدينة الموصل كانت حين أغارت القاصفات القادمة من قاعدة انجرلك التركية على مخازن الذخيرة والعتاد العسكري العراقي في بادوش فأحالت الحياة في الموصل خلال العشرة أيام المقبلة الى كابوس مرعب ... كل عدة دقائق يثور كدس عتاد وينفجر مزلزلا الارض تحت أقدام كل من في الموصل .
عند الساعة الثانية صباح اليوم التالي .. أغارت نفس الطائرات على محطة تلفزيون الموصل وضربت شبكة المايكروويف ومنظومة الكيبلات المحورية ، لتعطيل كل الاتصالات المدنية والعسكرية .

بعد عشر ساعات ... وكانت الواحدة ظهرا في اليوم الثالث من الحرب ، رأيت القاصفة العملاقة تطير بحماية أربع طائرات مقاتلة صغيرة الحجم ... وقفت فوق سايلو حبوب الموصل وأفرغت حمولتها .
وحين صحونا صباحا في اليوم الثامن من الحرب ... وجدت القاصفة قد أفرغت حمولتها فوق الدائرة البديلة التي كنت قد أرسلت من بغداد لشغلها طيلة مدة الحرب ، محيلة أياها الى حفرة بعمق حوالي 15 متر ، وكان ذلك مقصودا ، فقد ظن القاصفون اننا ربما نمتلك طوابق تحت الارض نخفي بها الاجهزة الثمينة التي هربنا بها من بغداد لإخفائها في أماكن بعيدة آمنة .
نحن دائرة مدنية لا علاقة لنا بالعسكر إطلاقا .... لكني بعد أربع ساعات من قصف دائرتي وجدت ضابط استخبارات عسكرية يسلمني ورقة فيها أمر من العاصمة بترك كل شيء على حاله والعودة الى بغداد .
ولن أحكي لكم عن مأساة العودة الى بغداد بقطار الليل وتحت القصف فتلك حكاية اخرى .
حين وصلت الى بغداد في الثامنة صباحا ... كانت خالية الى حد الرعب ... ولم يكن يشغلها غير أعمدة الدخان .
سيارة شرطة النجدة نقلتني الى بيت أهلي فوجدته مقفلا .. وورقة ملصقة على زجاج النافذة تخبر انهم سافروا الى اهلنا في كركوك . حملتني السيارة الى بيت أهل زوجي .. وجدته مقفلا أيضا كانوا قد غادروا الى مدبنة الشامية .... أما زوجي فقد كان جنديا وحدته في مدينة ميمك على الحدود العراقية الايرانية .
عدت الى بيتي ، طرقت أبواب شارعنا بيتا بيتا ... ولم أجد فيها أحدا . عدا بيت في نهاية الشارع تشغله سيدة مسنة وولدها جندي وحدته في بغداد لذلك هو يأتي الى البيت كل ثلاثة أو أربعة أيام .
هل يمكن أن تكون هناك كلمات تصف حال الانسان عندما يشغل المدينة وحيدا ... لا ينتظر غير غارة الغروب أو غارة الفجر ... بلا ماء أو كهرباء أو غاز أو نفط ؟ .
عشت لأكثر من اسبوع فقط على الجزر المبروش ... حين يأتي وقت الوجبة .. ابرش جزرة في صحن وآكلها بالملعقة واشرب بعدها كوب ماء . وكنت موقنة أنني سأتحول ذات يوم الى أرنب ، أما بسبب الحرب ، وأما بسبب الجزر .
منطقتنا السكنية مليئة بالمواقع التي يجب قصفها .. غير اني لن أشهد ليلة مدمرة من الرعب مثل تلك الليلة التي أغاروا فيها على فرع أبو جعفر المنصور للحزب ... كان رعبا يفوق أي تصور وخارجا عن كل حدود الادراك .
في صباح اليوم التالي بحثت عن دائرتي ... وجدتهم يشغلون الملجأ رقم ( .. ) المجاور لملجأ العامرية ... انتظمت للعمل معهم اثناء النهار ... وفي الليل كنا ننام في الملجأ ايضا . مع العوائل التي كانت تأتي للاحتماء من هول تلك الليالي .
قبل عشرين ساعة من قصف ملجأ العامرية كنا قد علمنا ( أن السيد الرئيس وبصحبته ضيفه الروسي بريماكوف ) قد باتا الليلة الماضية في ملجأ العامرية .


من هو بريماكوف ؟

ولد بريماكوف في مدينة كييف بأوكرانيا سنة 1929 وتخرج من معهد موسكو للدراسات الشرقية سنة 1956 وعمل في راديو موسكو / قسم البلدان الاجنبية . ثم حصل على الدكتوراه في الاقتصاد سنة 1959 . درس اللغة العربية وأجادها ويتكلم اللهجة العراقية الدارجة بشكل متقن . قضى بريماكوف فترة الستينات في المنطفة العربية مراسلا لصحيفة برافدا وعميلا لوكالة مخابرات ( كي جي بي ) وتعرف عن قرب على معمر القذافي وصدام حسين .
عند عودته من المنطقة العربية صار عميدا لمعهد الدراسات الشرقية حتى عام 1985 أما في العام 1990 فقد صار بريماكوف مستشارا للرئيس غورباتشوف الخاص للشؤون الخارجية .. في تلك الفترة الحرجة من عمر الاتحاد السوفيتي قبل انهياره ... حيث كان التنسيق في كل المجالات بين الروس والامريكان في أعلى معدلاته لأول مرة في تاريخ العلاقة بين البلدين .
في تلك الزيارة أراد بريماكوف الذي يقوم الآن بدور مبعوث امريكي لصدام لإقناعه باعطاء أوامر عسكرية الى الجيش العراقي تأمره بالانسحاب من الكويت .
لكن صدام وكالعادة كان ممتطيا صهوة عناده .. وليكن ذلك نارا وشرارا فوق رؤوس الخلق ، يشجعه على ذلك علمه انه فتى الامريكان المدلل وأنه حتى لو عاندهم فلن يضحوا به ، الظرف الدولي كان دقيقا وهم محتاجون لوجوده لضبط منطقة الخليج خلال الفترة اللاحقة التي سينهار بها الاتحاد السوفيتي .
كانوا من تحليلهم لشخصية صدام ، يعرفون انه ( بطل ) مادامت التضحية بدماء الناس وارواحهم ولكن اذا وصل الخطر الى دمه أو روحه فما أكثر التنازلات المذلة التي يقدمها والتي كان يسميها ( مبادرات ) .

قرر الامريكان انه للحصول على ( مبادرة ) منه يسحب بموجبها الجيش العراقي من الكويت ، ان يضعوه وجها لوجه أمام الموت ( موته الشخصي هو نفسه ) . أرسلوا له بريماكوف ليفاوضه في الانسحاب .. وحين عاند ... قصفوا له ملجا العامرية الذي كان ينام فيه مطمئنا ليلة البارحة .
في اللحظة التي قصف بها ملجا العامرية هرولنا ركضا خارج ملجأنا ... كنا نعتقد اننا سنقصف ايضا . وفي تلك اللحظة .. رأينا صدام وبريماكوف قد وصلا الى الموقع حتى قبل أفراد الدفاع المدني ... وقبل أن يتكاثر الناس في المكان حملتهم السيارة العسكرية وغادرت الى مكان مجهول لقد كانا ينامان في تلك الليلة في ملجأ آخر من تلك الملاجيء الكثر المنتشرة حول القرية الرئاسية .
بعد ثلاثة أو أربعة أيام أطلق القائد ( مبادرة ) دعت الجيش العراقي الى الانسحاب .. فانسحب أولاد الخايبة بشكل غير منظم ... ومن يتفرج على البومات صور الانسحاب ... يدرك أي جريمة لا مسؤولة ارتكبها قائد أحمق بحق جيش مؤدلج مغلوب على امره .
الآن .. وبعد خمسة عشر عاما على جريمة ملجأ العامرية .. يجب أن نسمي الجناة ونحكي قصتهم ، قصة الدم البارد الذي أحرق ما يزيد على الف انسان الى حد التحجر من شدة التفحم ، لإرغام أحمق على اتخاذ قرار . ولا تصدقوا الهراء الذي تناقلته وسائل الاعلام عن الاستهداف الخطأ للملجأ . كل شيء كان قد تم وفق خطة مدروسة باتقان .

وعودة الى جاسم الرصيف ورواية تراتيل الوأد ، لا نملك ونحن نتذكر كل ذلك غير ان نردد مع جاسم الرصيف :
وصب للقشعام قهوة وورث له جكارة
وصب للقشعام قهوة وورث له جكارة
وصب للقشعام قهوة وورث له جكارة
mayahmed2005@hotmail.com

Monday, July 10, 2006

عرض لرواية ( مزاغل الخوف ) د. مي أحمد

. عرض رواية جاسم الرصيف : مزاغل الخوف



د.مــي أحمد



أقضي عدة ساعات يوميا في المكتبة الوطنية للبلد الذي أقيم فيه حاليا , لكنني نادرا ما أزور القسم العربي فيها ... الكتب التي فيه ليست متنوعة بالحد الكافي ولا يدخل أغلبها ضمن قائمة اهتماماتي . لكن مناسبة طيبة حملتني الى ذلك القسم في المكتبة لأجد ثلاثة من روايات الروائي العراقي الكبير الاستاذ جاسم الرصيف والتي سأعرضها بالتتابع .
رواية مزاغل الخوف تقع في كتاب من 317 صفحة من القطع المتوسط ومع ذلك فقد شدتني لدرجة انني أكملت قراءتها في يومين فقط .
أحداثها وكما يقول الروائي تقع في ( أرض خارجة على القانون وبين بشر مطارد يتناهبه القراد ووطن يمشي على قدمين متعاديتين ) ... وهو حقا وصف ينطبق على العراق , كل العراق .


لا أحب الحديث عن نفسي , لكني سأتحدث عن العراق من خلال عيني كشاهدة على الاحداث .
في مرحلة البكالوريوس كان صفي مكونا من 17 طالبا و3 طالبات . وحين وصلت الى مرحلة الماجستير حصد الموت روح زميلتين واحدة حرقا والاخرى في حادث سيارة .. فيما حصدت قادسية صدام ( المجيدة ) أرواح زملائي الشباب ولم تترك إلا واحدا منهم بعد اعفائه من الخدمة العسكرية بسبب تعوقه بانفجار لغم ارضي عليه .

ولا أظن أن تلك بداية مشجعة لرحلة سعيدة مع الحياة حيث تبدأ الشعور بالذنب كونك الناجي الوحيد من تلك المحرقة .


القيادة ( التاريخية الفذة والملهمة ) قامت عام 1982 بمنع السفر على العراقيين فتحول العراق بأجمعه الى سجن كبير ... وحتى تكتمل اللعبة فقد كنت أعمل في مؤسسة ثقافية تعدها ايران من ضمن الاماكن التي ينبغي تدميرها ... لذلك كان علينا التوقيع يوميا في سجل خاص أثناء الدخول الى العمل أو الانصراف منه .. ذات يوم تجرأت وسألت الضابط المسؤول عن هذا السجل عن سبب توقيعنا فقال : من أجل ان نعرف من كان داخل الدائرة اذا تم تفجيرها !! .
اذن ما أسعدني وأنا أوقع يوميا في سجل الخسائر طول فترة الحرب مع أيران !! .

وحتى تأخذ اللعبة أقصى حدودها قامت ليبيا العظمى بتزويد ايران بصواريخ تصل مدياتها الى داخل بغداد ... عندها بدأت حرب دك المدن بالصواريخ ... هل نسيتم تلك الايام ؟
واحد من هذه الصواريخ سقط على بيت صديقتي فقتل ابنها وابنتها اللذين لم انس صورتهما لحد اليوم ... وبعد عدة أشهر سقط آخر على مدرسة بلاط الشهداء فقتل فيمن قتل ... ثلاثة ابناء لزميل لي في الجامعة .
والى ان انتهت الحرب ... كان الحي البغدادي الراقي جدا الذي أسكنه قد تحول ــ والاستعارة من جاسم الرصيف ــ. الى ( حي التنك ) , بعد الدمار الاقتصادي الذي عاناه العراقيون بسبب الحرب .. فتحولت قصور حينها الى ( مجمعات سكنية ) بعد تقسيم كل واحد منها الى ستة أو سبعة بيوت من أجل الاستفادة من ايجاراتها . .

خلال هذه الفترة كنت قد كتبت بحثين جامعيين الاول عن رائعة بول فاليري .. فاوست كما أراه حيث يرسم العمل نقطتين واحدة للخير واخرى للشر ويربطهما بخط وهمي ويحاول فهم آليات ودوافع حركة الانسان على هذا الخط بين نقطتي الخير والشر .
كان وقع الحرب علينا أكبر من قاسي , ويعري في طريقه الكثير من القيم الانسانية الحقيرة التي كانت مستورة في زمان ما قبل الحرب .... وكان هذا هو دافعي لاختيار عمل فاليري لجعله مادة لبحثي
وكان ضغط الحياة شديدا تلك الايام ... لكني انتبهت الى ان الناس صارت تضحك بكثرة وهذا دفعني لكتابة البحث الثاني عن موضوع برغسون: ( رسالة في الضحك ) !! .
برأي برغسون .. الانسان وحده هو الكائن الضاحك ... وضحكه علامة نضج حضاري لاتمتلكها الكائنات الاخرى .. وعنصر المفارقة في أي موضوع سيصيب البشر باختلاجات عضلية تشعرهم بالدغدغة التي يندفع معها الهواء من الرئتين الى الخارج بطريقة ... نطلق عليها تسمية الضحك !! . .

ليس سارا دائما الموضوع الذي يؤدي الى حصول تلك الاختلاجات ... لكن النتيجة دائما هي نفسها : انك تضحك ... أحيانا كثيرة من الالم .. وليس بسبب السعادة أو الفرح !! .
اعترف انني وفي كل حياتي , ضحكت ثلاث مرات داخل مكتبة عامة ... المرة الاولى عند قراءة رواية ( كنديد ) لفولتير ... في الفصل الذي باع فيه النخاس ( كنديد ) الى عجوز عربي لديه اربع زوجات جميلات ... مما حدا بذلك العجوز لبيع كنديد الى فارسي شاذ للانتقام منه بطريقة معاكسة !! .
والمرة الثانية التي جلجلت فيها ضحكاتي في أرجاء المكتبة ... كانت وأنا أقرأ الهراء الذي يسمونه ترجمة كتاب أرسطو ( فن الشعر ) الى العربية على يد القنائي .. الرجل كان سريانيا ولغتاه العربية واليونانية ضعيفتان جدا ... ويحاول ترجمة أرسطو كما يحلو له من اليونانية الى العربية ... ولم أجد نفسي إلا وأنا أقرقع بالضحك حين وصلت الى ترجمته للمصطلح الارسطي ( الإله من الآله) !! .



المرة الثالثة كانت على يد جاسم الرصيف في روايته الرائعة ( مزاغل الخوف ) . فقد قرقعتها ضحكة مجلجلة هزت أركان المكتبة لم استطع معها الا الفرار ركضا الى الخارج ...
ولكن مهلا ... تنبهوا ... فرواية مزاغل الخوف , رواية سادية تقتلكم بدم بارد ... وأداة القتل هي الضحك ... ألم تسمعوا بالموت ضحكا ؟ ... أو الضحك الى حد البكاء ؟ هذه هي رواية جاسم الرصيف.
الاستاذ جاسم الرصيف عراقي من اهل الموصل ومن مواليد 1950 ... وهذا معناه أن قادسية صدام ( المجيدة ) قد شملته بمكارمها شاء أم أبى ... وتركت في نفسه صدى ألمسه في كل تعابيره .



في مزاغل الخوف ... اختارالاستاذ جاسم الرصيف من الحرب تلك الفترة الواقعة في نهاية الحرب العراقية الايرانية مرورا بعامين من العذاب جوعا .. وصولا الى الخازوق الثاني الذي اسمه اجتياح الكويت .



ثيمة الرواية : تقع في ( حي التنك ) بمدينة الموصل .. لكن وانت تقرأ تشعر ان كل العراق كان في حي التنك .
حكومة السيد صدام ( اسمه في الرواية : غمام البين ) قررت ان تستبدل شيوخ العشائر القدماء بشيوخ جدد يقوم بصنعهم المحافظ والقائممقام ودائرة الامن أو المخابرات , الغرض من ذلك جعل العشائر محكومة من قبل شيوخ صنائع للحكومة .
يجلبون واحدا ... مجرد اسمه ... اسمه فقط .. سبة بين الناس ويجعلونه شيخ عشيرة , يستدعى الى القصر الجمهوري لمقابلة السيد الرئيس ... لكنه يقابل عوضا عنه واحدا من السعاة .. ويتسلم مبلغا من المال وسيارة حمراء اللون ... فيعود منتفخا الى الموصل الفيحاء .. ساعيا لتجنيد أبناء حي التنك جنودا في قادسية صدام ( المجيدة ) . هذا الشيخ ... اسمه الشيخ بعيو , بعيو أو بعيوة معناها : حيوان .. بعيو هو الذي لا يعي شيئا .
لديه مساعدان ... هما اولاد عمه : شعيط ومعيط .

فأي مجتمع هذا الذي يدار من قبل بعيو , أو شعيط , أو معيط ؟.
قصة الرواية تذكر بمسرحية برتولد برخت ( السيد بونتيللا وتابعه ماتي ) في أكثر من موقع من مواقعها غير ان الحس العراقي والنكهة العراقية والمأساة العراقية تعطي الرواية طعما ورائحة حادتين جدا لم تتمتع بهما مسرحية برخت .



حبكة الرواية :
ــــــــــــــــــــــــ
اعتمد الاستاذ جاسم الرصيف في ادارة حبكة هذه الرواية على فعلين بينهما قدر من تفاوت القوة , ولكن متعاكسين في الاتجاه ... والصمام الذي تلتقيان عنده والذي سيتم تفجيره عند نهاية الرواية هو ... الشيخ بعيو نفسه .
القوة الاولى هي قوة الحكومة ابتداء من رأس السلطة الذي تسميه الرواية ( السيد الرئيس ) أو ( غمام البين ) وحسبما تقتضي أحداث الرواية .. مرورا بضباط القصر والمخابرات والامن وصولا الى المحافظ والقائممقام ... مرورا بجميع رفاق حزب البعث من أمين السر وصولا الى أصغر الحلقات .

تسعى هذه القوة للسيطرة على القوة الثانية بواسطة أداة تقليدية تعارف المجتمع على احترام قراراتها ... هذه الاداة التقليدية هي شيخ العشيرة . وحيث ان أغلب شيوخ العشائر العراقية لم يتربوا التربية الحزبية الكافية , وبالتالي فحتى بعد اغرائهم بكل الوسائل فلن تتطابق قناعاتهم مع قناعة الحكومة تماما .. لذلك تم اتخاذ قرار تغييرهم .. بامثال بعيو واقرانه .
القوة الثانية والتي هي قوة الحياة وارادة المجتمع لا تقل قدرة وخطورة حتى عن قدرة ( غمام البين ) نفسه , في الوقت الذي يزود القصر الجمهوري الشيخ بعيو بمئات البنادق لتسليح ابناء عشيرته , فان أبناء العشيرة يساعدون شيخهم على تهريب هذه البنادق وبيعها الى البشمركه في الشمال , محولين امل حكومة بغداد الى كارثة عليها .

ويستمر مرجل الغضب بالغليان في العراق الى ان تحل ساعة الخلاص .


لغة الرواية :
ــــــــــــــــــــــ
لغة جاسم الرصيف في كل اعماله لغة رصينة محكمة السبك والصياغة وهذا يشجع اكثر على القراءة له ... كما انه يمتلك القدرة على جعل شخصياته تتحدث بلسانها هي لا بلسان مؤلفها وآرائه .
تتخلل لغته العربية الفصحى الكثير من الكلمات الموصلية الجميلة والمحببة والتي تعطي العمل نكهة قادمة من شمال الوطن .


شخصيات الرواية :
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
كما يحصل في بعض الافلام السينمائية اليوم حيث يخلطون الشخصيات الانسانية الحقيقية باخرى كارتونية , كذلك كان خليط شخصيات رواية جاسم الرصيف – مزاغل الخوف .
هل رأيتم فلم ( أليس في بلاد العجائب ) ؟ ... حيث هي وحدها الكائن البشري بينما كائنات بلاد العجائب شخصيات كارتونية من العمالقة أو الاقزام .
كذلك شخصيات مزاغل الخوف شخصيات كارتونية تصور عمالقة أو أقزاما ... وعبقرية جاسم الرصيف في هذه الرواية أنها رسمت لنا صورا لأقزام متعملقين ... وأحيانا صورا لعمالقة مقزمين.

الشخصيات التي انتمت الى الحكومة وكل ما يمت لها من دوائر أو مؤسسات كانت من صنف الاقزام المتعملقين .... في حين الشخصيات التي تنتمي الى عموم المجتمع والتي تبحث عن عالمها المدني ومسراتها الصغيرة ... هم عمالقة قزمهم وقع الحرب وجور السلطة ... وألفت انتباه القراء الى ثلاثة شباب في هذه الرواية اسمهم : اخوة عرنة ,, فهم يستحقون وقفة خاصة لتأمل اسلوب بنائهم المتفرد من قبل جاسم الرصيف .

الشخصية الآدمية الوحيدة في هذه الرواية هي واحدة لكنها باربعة وجوه وأربعة أسماء . نستطيع أن نسميها شخصية الانسان العراقي صاحب المعاناة الحقيقية .
وجهها الاول ... شخصية ستار عجقة ( عجقة : كلمة موصلية معناها عند بقية اهل العراق : خبصة ) هذا الولد الجميل , المتعلم الوحيد في قريته , الذي يقبل بكل ما هو بسيط في سبيل تمشية الحياة بأبسط قناعاتها الشريفة .. لكنه يضطر للعمل كمهرب سلاح بعدما سدت بوجهه كل منافذ العمل الشريف .
ووجهها الثاني ... شخصية ( أنا ) , وهي شخصية رجل , ظلت مجهولة لنا الى أن اكتملت صورة ستار عجقة ، تماما عندها توحدت الصورتان في شخص واحد هو ستار نفسه !! .

( أنا ) .... رجل حدثنا عن أنواع الضرب والتعذيب الذي تلقاه في مركز الامن ، والذي حتى وهو يرويه لنا مجنيا عليه .. يخاف من تعريفنا بأسمه , وكأن قول الاسم مرفقا بتفاصيل التعذيب ستكون دعوة جديدة للجناة لاستكمال ما نسوه في دورة العذاب القديمة ...في دورة لاحقة جديدة ... وأن تخفي اسمك فتلك آلية نتبعها كلنا حين يقع علينا ظلم وجور سلطوي غير قابل للتصديق من هوله وشدته .
وجهها الثالث .... شخصية ونسه خباثة , تلك السيدة العاهرة غصبا عنها صنع عهرها كل من الحكومة الجائرة والمجتمع الجاهزة احكامه المسبقة .. ولم يبق عليها الا ان تواصل دورها هذا لسنين وسنين !! .
وهي العاهرة الوحيدة التي كانت تقبل زبائنها بالدفع الآجل .. فهي لم تمتهن هذا الدور لربح مادي ولا لمتعة جسدية , انما فتحت عينها على الحياة لتجد هذا هو دورها بعد ان غيبت السجون والدها ووالدتها بتهمة التآمر على الوطن حين كانا يعملان فراشين في مدرسة .
وهي تهمة جاهزة كانت الحكومة تلصقها باي عراقي من رتبة وزير نزولا الى أي واحد من فاقدي الاهلية العقلية في مستشفى الامراض العقلية .. مرورا بكل مواطن أو مواطنة .. لا بل ان هذه التهمة شملت حتى المقيمين لمدد قصيرة .
وجهها الرابع ..... شخصية نور الهدى تلك البنت الحلوة التي تشتغل عاملة في أحد المصانع والتي نكتشف بعد سرد مطول لسيرتها ومجهولية اصلها والمكان الذي جاءت منه , انها هي نفسها ونسه خباثة ... أو هكذا يراد لنا ان نتصور .

قوادة حكومية اسمها مي حركات ,, تتعرف على ونسه خباثة وتراها جميلة تريد تقديمها الى واحد من الرؤوس الكبيرة لكن هذا كان يريد واحدة عذراء ... فتأخذ القوادة .. ونسة خباثة الى طبيب لترقيعها .. وتعطيها إسما جديدا هو نور الهدى ثم تدفعها في طريق هذا الراس الكبير ... كي تجني منه القوادة قطعة ارض كبيرة في موقع مهم من المدينة .
هذا المقطع من الرواية قاسي وأراه خادش للحياء .. وما كنت اقبله من جاسم الرصيف لولا قراءتي كتاب ( كنت طبيبا للرئيس ) لمؤلفه علاء بشير , يسجل فيه اعترافاته وهو طبيب صدام الخاص انه كان يقوم للقصر بالكثير من هذه الاعمال . ولمن يهمه الاطلاع على كتاب علاء بشير فهو منشور على الموقع الالكتروني صوت العراق / في خانة الكتب .

لماذا أعتقد أن هذه الشخصيات الأربعة .. هي شخص واحد ؟ ... لأن شخصية الانسان العراقي صاحب المعاناة الحقيقية تنطوي على كل هذا .
ليس هناك فرق بين الرجال والنساء ... الانسان أنسان بغض النظر عن أي شيء وكل شيء .

كلنا كنا ستار عجقة الذي سدت عليه المنافذ ولم يعد بامكانه الاستمرار إلا بان يعمل في أمور خطرة كتهريب السلاح ... أو القبول بوظائف بمنتهى المهانة كالعمل سكرتيرا أو تابعا للشيخ شعيط أ ومعيط .. أولاد عم الشيخ بعيو .
وكلنا عانينا التعذيب الذي عانته ( الشخصية أنا ) في سجن العراق الكبير الذي أقفلوا علينا أبوابه منذ العام 1982
وبغض النظر عما اذا كنا قد وشي بنا لتتم استضافتنا في الامن العامة أوالمخابرات لمدد محدودة او غير محدودة ... أم لا !! . ...
كنا كلنا ماديا أو معنويا , قد تم جلدنا بالاسلاك وضربنا فلقة ... والبعض الاخر كان اوفر حظا في التعرف على آليات تعذيب لم يعرفها أحد غيره تفتقت عنها عقلية الجلاد .

وكنا رجالا ونساء يضيع شرفنا مثل ونسه خباثه بلا حول ولا قوة على دفع ذلك ومقاومته عنا ... وربما صور الاستغلال الجنسي هي من أبسط تبسيطات صور ضياع الشرف ... إلا اذا كنتم تعتقدون أن بإمكان الانسان أن يفعل أي شيء كالغدر والخيانة والوشاية وضياع الامانة الشخصية والكذب الاسود غير المبررويبقى شريفا .. لكن شرفه يعاب فقط عند العبث بمناطق حساسة في جسمه رجلا كان أو امرأة ... خصوصا حين يقع ذلك العبث رغم ارادة المجني عليه وموافقته .
وكنا كلنا نور الهدى ... تلك الادمية التي استغلت حتى بأبشع مما يستغل به الحيوان . من قبل الحكومة او المجتمع !! .


في رواية جاسم الرصيف / مزاغل الخوف / هناك ضحك الى حد البكاء , وبكاء الى حد الضحك ... لذلك لا تقرأها في داخل مكتبة عامة .
أختلف مع الاستاذ جاسم الرصيف حول نهاية الرواية خلافا بسيطا ... فهو يحدد تاريخ اليوم الذي بدأت صليات النار تنطلق باتجاه قصر الشيخ بعيو .... واستعمال كلمة القصر يتسع مداها هنا لتصل الى القصر الجمهوري ... ولتجرد صدام من اسمه ... وتعطيه بدلا عنه اسم : شيخ بعيو , حدد الاستاذ جاسم الرصيف هذا اليوم أنه كان في يوم الجمعة التالي لاجتياح العراق للكويت .

غير اني ارى الامور بمنظار أخر ... ففي زمن صدام .. نادرا ما أطلقنا صلية على قصر صدام ... كنا فقط نتكلم ... ونتحمل كيبلات الضرب ... الى أن دفعناه حفظه الله الى اقرار عقوبة قطع اللسان علها تكون رادعا لنا كي نغلق أفواهنا . ويجب أن نعترف أن صدام لم يسقط بنضالنا .... صدام كان وكيلا امريكيا توجته امريكا حاكما مطلقا فوق رؤوسنا .. وتغاضت له عن كل جرائمه ... حتى تلك الجرائم التي تحاكمه عليها الان !! .
تغاضت له حتى عن اجتياحه للكويت !!.. والقوة الغاشمة التي استعملوها لإخراج الجيش العراقي من الكويت لم تستخدم ضد صدام شخصيا بل ضد الجيش والشعب العراقي .

وخلال المدة بين 1991- 2003 كانت قرارات صدام قد لعبت كرة قدم بالعراقيين ... وكان حصاره هو , أقسى وأشد واشنع علينا من الحصار الامريكي وحصار قرارات الامم المتحدة ... وفي جعبه كل واحد منا مئات الحكايات عن الموت بالمجان ليبقى القائد على كرسي قيادته التاريخية الفذة ... ولم يحرك ذلك شعره لا في رأس ولا في مؤخرة الضمير العالمي أو حقوق الانسان . .

بعد أكثر من اثني عشر عاما من التاريخ الذي حددته رواية الاستاذ جاسم الرصيف موعدا لبدء اطلاق النار على القصر ... انتهى دور صدام عند الامريكان ... وسقطت ورقته فجاء اليانكي المدلل على صهوة دبابته لهدم هيكل ( الوكيل القديم ) صدام ورفع انقاضه .... ولم ينس ( الراكب عالعبية أن يحول ويرتاح شوية ) وأن يحمل لنا على تلك الدبابة مجموعة من الوكلاء الجدد الصغار .. عسى أن يكبر واحدا منهم بعد سنة أو سنتين .. ليكون خير خلف لخير سلف !! .
هؤلاء الوكلاء الجدد يتبارون الآن في وصف انفسهم بالمناضلين والمجاهدين .... اما وانهم جاؤا راكبين على الدبابات الامريكية ... فاقول فيهم قوله الشاعر العراقي مظفر النواب ..... يا أولاد ( .. ) ولا أستثني منهم احدا .





mayahmed2005@hotmail.com




Wednesday, June 21, 2006

عن رواية ( أبجدية الموت حبّا ) بقلم الدكتور جمال حضري . الجزائر

عن رواية أبجدية الموت حبا ... د. جمال حضري
التاريخ: الأثنين 19 يونيو 2006
الموضوع: قراءات

عتبات العنوان وظلال المسارات

يبدأ خطاب رواية (أبجدية الموت حبا) للروائي العراقي جاسم الرصيف، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط2، 2000 بعنوان متعدد المستويات، ففي مستوى التواصل نحن إزاء مرسلة يمكن تفكيكها ليصبح تركيبها هو: كيف تتعلم الموت حبا؟ ومن هنا يبدأ البحث عن باث الرسالة المفترض وعن متلقيها المقصود.

وحين يكون العنوان وظيفيا بهذه الصورة فإنه ينطوي على سر النص ومفتاحه أو على وجهته ومقصده، وهو بالفعل ما يحدث لرواية "أبجدية الموت حبا" التي تصلح أن تكون وثيقة تؤرخ لفصول من الفداء والوفاء للوطن.
لكن ألا يكون العنوان قد جمع ما لا يجمع من خلال تنميته لصورة متضادة الأطراف بأن ألحق الحب بالموت وجعل لهذا الموت سبيلا يتعلم ويتدرج في تحصيل فقهه ودروسه؟
لو كان العنوان: أبجدية الحب حتى الموت، أو أبجدية حب الموت أكان ذلك يلحق بعتبات النص أضرارا تؤثر على مسارات السرد وبرامج شخوصه ومصائرهم؟
ههنا إذا تتطلب القراءة وقفة للتحليل الدلالي والتأويل، لأن العنوان في الرواية المعاصرة لم يعد قبعة إضافية ولا زينة ملحقة بجسم مكتمل قد يستغني عن الزوائد بل إنه يمثل جزءا حيويا من النص إلى درجة تمثيل صلب الدلالة وكأنه دال ومدلوله باقي النص أو بالعكس مدلول يفسر دال النص كله، فإلى أي حد نجد عنوان متننا المدروس قد اجتمعت أوصاله بنصه وفي أي صورة أظهر هذا التواشج والتلاقي؟

شظايا المقومات وكيمياء التركيب

يتضمن العنوان إذا ثلاث وحدات معجمية: أبجدية، الموت، حبا: حين نحلل كلا منها نجد مايلي:
- أبجدية: تطلق على مجموعة الحروف العربية، وهي تتضمن معاني التعليم والبدايات والاستهلال والتدرج والمعلومات الضرورية... إلخ
- الموت: حالة الفناء والنهاية والافتراق والوحدة والغاية ونهاية المقاصد والسعي... إلخ
- الحب: عاطفة إيجابية بالميل نحو الخالق أو الإنسان أو الأشياء أو القيم... إلخ
فما النواة الدلالية المنماة من خلال هذا المثلث المعجمي ذي الأضلاع المتضادة؟ ما الذي جمع مفردة تنطوي على التعليم والاستهلال والاتجاه المتنامي وهي الأبجدية مع مفردة تنطوي على الانتهاء والتفرق والوحشة ألا وهي الموت مع ثالثة هي عاطفة تتضمن الميل والاتصال والأنس والاجتماع والخصب والإثمار؟
إن سياق التركيب يفعل فعله ويعتصر من افتراضات المعجم رحيقا مضافا ودلالة مولدة ويستثمر من مؤجلات المعاني ومعلقاتها ما يمكن أن يند عن العقل المحصي والنظر المدقق. فما الذي حينه النص السردي وجهز به أجواء التأليف ومجاريه حتى التأمت هذه المتنازعات؟
لننظر ما الذي يتولد عن ضم الأبجدية إلى الموت: ليس غريبا ولا بعيدا كون الموت حالة تثير رعب السامع وكل حي، كيف لا وظلالها كافية لتنهي إلى متلقيها حالة حبس الزمن عن الجريان وتوقف كل المرادات والنوايا، أما وأن المفردة تنضم إلى الأبجدية فإنها تنصبغ ببعض مقوماتها، فيصبح للموت قواعد تتعلم وحروفا وأصواتا تتلقى وتحفظ وتؤدى وفق تلك القواعد ليحكم لمستعملها بالصواب أو الحيدة.

هو إذا موت غير الموت، ونهاية غير النهاية بل لنقل هو موت لتبدأ الحياة، الحياة الحقيقية، ونهاية غير النهاية الجسدية المعلومة المكرورة، بل هي نهاية لحياة حقها النهاية لتبدأ حياة أخرى حقها أن تبدأ على أنقاض الأولى، ولذلك سرعان ما نجد هذا المنحى يتأكد حين ينضاف المركب إلى ما يميزه ويوضحه وهو "حبا". نعم هنا نجد المقومات تتضام بصورة أجود وتسوغ هذا اللقاء الصعب والمجاورة المستغربة للوهلة الأولى، فإذا بنا نتفهم كل الفهم ونتشرب بملء الفم والوجدان أن "للموت حبا" طريق على سالكيه معرفة مسالكه ومساربه، لأنه موت يولد الحياة ونهاية تؤسس لبداية وفناء ينتفض من رفاته البقاء، وموت بهذا الخطر يتطلب بالفعل معرفة فنه وسبله، إنه فن الموت لصناعة الحياة وهنا تتضافر بكل سلاسة مقومات: التعلم / الفناء / الإثمار، لأنها مقومات ضرورية لفرد واحد في هذا الوجود والكون الذي شيده نص الرواية إنه: المقاوم.

النص يستكمل عتبات عنوانه

لا نستعجل النص كي يعطينا ثماره قبل أن نبذل في سبيل القطاف ما يطلبه الثمر الطيب، لأن السؤال الذي نحن في مواجهته الآن هو: نتعلم الموت حبا في سبيل ماذا؟ وهنا بالضبط تلوح لنا الإجابة عن العلاقة العضوية والوظيفية بين العنوان كعتبة للنص ومتن النص كامتداد ما لعتباته، فهاهو العنوان في صياغته اللغوية غير مكتمل فـ (أبجدية الموت حبا) تركيب لا يفي بالمطلوب ولا يحسن السكوت عليه كما يقول النحاة حتى يوردنا مقصده وفائدته، ولم نر من المتلفظين بالحب مفصولا عن لواحقه إلا ما تجيزه أعراف العشاق والشعراء، لأن ذكر الحب مع متعلقه هو من الحشو عندهم وتحصيل الحاصل أن تضاف للحب إضافة لأنه أصبح من كثرة استعماله دالا على مضافه عرفا وتداولا وسابقة، أما هنا في مسار السرد فلن نعمم القاعدة ولن نجري عرف العشاق والشعراء فيه، حتى وإن وجدنا في متن النص السردي هذا أجواء العشق غامرة وسوقه عامرة.
وليس هذا التأبي والامتناع إلا لأن التركيب جعل من الحب تمييزا للموت الذي كما رأينا ينمي تيمة الفناء والفراق، فالعتبات إذا تدفعنا راغمين نحو استنطاق النص بل نحو استثماره لاستكمال تركيب العتبات ونفهم المسار الذي تدفع باتجاهه هذه المقومات المسرودة في حديد العنوان وقالبه.

المسارات المتضادة وتوليد الكفاءة

في النص مساران سرديان، مسار الذاكرة ومسار الحاضر، مساران بسيطان من حيث الكثافة السردية، فليس فيه عوالم متداخلة رغم تباعد المسارين زمنيا، فهناك مسار للسارد بضمير "أنا" وهو صوت الحاضر، أو هو صوت المأساة في وجهها الحاضر، ومسار للسارد الثاني بضمير "هي" ولكنه يسرد بضمير "أنا" أيضا فالسارد واحد ولكن بضمير "أنا" الرجل في الحاضر و"أنا" المرأة في الماضي وإن انزلق السارد الحقيقي وأسماها "هي" ليكشف لنا ربما من غير أن يقصد أنه لا سارد إلا واحدا في الحالين، ورغم ذلك فصورة السرد المزدوج قد تحققت وفتحت لنا منفذا للتساؤل عن سر التاريخ المؤنث والذاكرة اللطيفة وعن سر الحاضر المذكر والآن الخشن؟

تأنيث الذاكرة

ألا يؤدي تأنيث الذاكرة إلى تعقيم المخصب كما يؤدي تذكير الحاضر إلى نضوب المستقبل؟ لو كان صوت الأنثى للحاضر وصوت المذكر للماضي ألم يكن ذلك متماشيا مع موت مولد للحياة وفناء ينبثق عنه البدء والولادة؟
لنغلق هذا المنفذ الآن لندلف إلى المسارين ونحاول أن نربط البدايات بالنهايات والمآلات ونصل إلى استكمال تركيب العتبات.
المسار الأول يقوده السارد البطل بصوت "أنا"، صورة شاب وصف نفسه بضعف الذاكرة التي كانت سبب فشله الدراسي، وحين نقول الذاكرة نقول الفشل في التعلم، لأن لكل معرفة أبجديات تحفظ وتلقن، لكن صاحبنا يعزو فشله السابق بهذه الذاكرة العليلة ويربط بها فشلا متوقعا على صعيد العسكرية أيضا.
من المنظور السيميائي يسمى مثل هذا النقص خللا في الكفاءة اللازمة للقيام بالبرنامج المؤدي إلى الاتصال بالموضوع المرغوب. نعم هذا بالفعل ما وصل إليه السارد نفسه، فهو يتوقع الفشل في المهام التي تنتظره بناء على نقص القدرة على تذكر القوانين وطرق استعمال السلاح... إلخ.
في مقابل هذا المسار المليء بالتوقعات السلبية لدينا مسار آخر يتموقع زمنيا في الماضي ولكنه مرتبط فضائيا بالمسار الأول لأنه يتناول الحيز ذاته أي شبه جزيرة الفاو التي كانت مسرحا لمعارك طاحنة بين العراق وإيران، إذا فالمبرر الذي يجمع المسارين واضح على الأقل في تيمة الحرب التي يواجهها الساردان وكذا فضاء إنجاز مهمتيهما.
لكن المسارين متمايزان إلى حد التضاد، وسنرى قيمة التضاد في توليد المعنى وحتى توليد المسارات السردية في النظرية السيميائية التي تشكل بقدر ما خلفية هذا التحليل.

يتمايز مسار "هي" بأنه مسار الرغبة ومسار "أنا" هو مسار الجبر، وهذا مهم جدا في تشكيل كفاءة من يتصدى لإنجاز المهمة، فقد وجدنا السارد يتوقع الفشل في مهمته، فقد دفع إليها دفعا ثم هو منقوص من آلة التحصيل والتعلم، أما "هي" فتحركها رغبة متوارثة منذ عشرات السنين في المسير إلى جبهات القتال كلما تحركت أوصال العراق بالشكوى من معتد أو غاز، ثم هي تتنازع الخروج إلى الجبهة مع والدها في رغبة جامحة إلى السبق بالفداء، بينما نجد مسار "أنا" يظهر الخروج إلى العسكرية ومن ثم إلى الجبهة باعتباره خبرا مفزعا ينتظره الكل كأمر لا مفر منه ومن ثم يوصي الأب ابنه بالصبر والرجولة مظنة أن تظهر على الفتى آثار التردد.
ومع أن الوالد ذو خلفية عسكرية فإن هذا الأمر لم يصب في تكوين كفاءة السارد، بل وسعت من نطاق التناقض بين الواقع والمطلوب، خلاصة الأمر أن مسارين متضادين لبرنامج واحد يشق أحدهما طريقه بين فجاج الذاكرة والتاريخ والثاني يتلوى بصعوبة بين مسامات الحاضر.
لكن لنؤكد أن البرنامج هو نفسه: برنامج القتال أو التحرير أو رد المعتدي، ثم تأتي مرحلة الإنجاز الفعلي والقيام بالمهمة، وعلى التوازي بين المسارين ينتقل "أنا" في لحظة مفاجئة غير منتظرة إلى الجبهة، كما انتقلت على المسار الآخر "هي" إلى الجبهة ولكن عن وعي وإصرار وترصد للعدو وتحين لكل ما يترتب على الأمر من تكاليف وأثمان.

الإنجاز وأبجدية الفداء

وفي الجبهة يجري ما لم يكن في الحسبان، فعلى مسار "أنا" يتم استدراك ما كان ينقص الكفاءة من مواصفات، يستوعب السارد البطل أبجدية الموت في الميدان وهو يرى رجال المقاومة يتساقطون والراية تنتقل من ساعد إلى ساعد ولعلعة الرصاص فوق الرؤوس لا تزيدهم إلا إصرارا على بلوغ حدود الجبهة وإرغام العدو على التراجع إلى حيث بدأ عدوانه.
يتعلم أبجدية إطلاق الرصاص واستعمال السلاح والصبر على السير في الأوحال وتحت ضرب المدافع، ولنقل إن استكمال الكفاءة جاء في أسرع وقت لأن الدوافع والحوافز كانت من الحدة وشدة التوتر ما جعل حساب الزمن غير ذي معنى، ولنربط كل هذا بالمسار الآخر مسار "هي" التي تقف على الجبهة ذاتها في عدوان مماثل وكأن صوت التاريخ وصورته اللذان تجسدا في "هي" لتشكيل الدرس الذي تم استيعابه على الأرض، درس التاريخ ودرس الذاكرة، درسها "هي" لأنها هي: الأرض.
هكذا إذا، الأرض وحدها حركت الذاكرة لتتعلم الدرس، وحركت التاريخ حتى لا تتكرر إلا المسارات المقاومة. وهنا نفهم إبداع التوليفة بين المسارين ولماذا سارا متضادين، بكل بساطة لأن في التضاد يكمن الغرض السردي ذاته، لأن مسار "أنا" يتعلم من مسار "هي"، أي إن مسار الفداء يأخذ من مسار الأرض، فيتولد عنهما المقاوم الكفء القادر على دفع المعتدين.
بقي الآن استكمال عتبات العنوان: فقد رأينا برنامج المقاومة يصل مقاصده، وتولد من درس التاريخ استحياء الهمة والروح، فانقلب الموات حيوية وحماسة واندفاعا، واستدرك تعلم أبجدية القتال الذي كان محل المساءلة والاستنكاف إلى وسيلة الأمن والحياة، لقد فهم الفتى أن في الموت سر الحياة وفي القتال سر الأمن والبقاء فلا مندوحة من مجابهة الظالم إذا أراد المسالم أن يعيش في أمان.
إنها أبجدية الموت حبا للأرض...
كيف تم تعلم كل ذلك؟
لقد تم ذلك بفضل ذاكرة الأرض والوطن، نعم الأرض استنهضت في أهلها نخوتهم وعلمتهم كيف يموتون لتحيا أجيال، والتاريخ مليء بالنماذج وهنا بالضبط يقع معنى توالد الحياة من الموت والبقاء من الفناء ونفهم ألا سبيل إلى تلك العتبات فيكون للموت حبا أبجدية لا تتعلم إلا بأن يكون الحب للأرض.

د. جمال حضري / الجزائر
djhadri@yahoo.fr





أتى هذا النص من مجلة أفق الثقافية
http://www.ofouq.com

عنوان الرابط لهذا النص هو:
http://www.ofouq.com/today/modules.php?name=News&file=article&sid=3166

Wednesday, November 16, 2005

صورة شخصية

جاسم الرصيف




عن رواية أبجدية الموت حبا ... د. جمال حضري
التاريخ: الأثنين 19 يونيو 2006
الموضوع: قراءات

عتبات العنوان وظلال المسارات

يبدأ خطاب رواية (أبجدية الموت حبا) للروائي العراقي جاسم الرصيف، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط2، 2000 بعنوان متعدد المستويات، ففي مستوى التواصل نحن إزاء مرسلة يمكن تفكيكها ليصبح تركيبها هو: كيف تتعلم الموت حبا؟ ومن هنا يبدأ البحث عن باث الرسالة المفترض وعن متلقيها المقصود.

وحين يكون العنوان وظيفيا بهذه الصورة فإنه ينطوي على سر النص ومفتاحه أو على وجهته ومقصده، وهو بالفعل ما يحدث لرواية "أبجدية الموت حبا" التي تصلح أن تكون وثيقة تؤرخ لفصول من الفداء والوفاء للوطن.
لكن ألا يكون العنوان قد جمع ما لا يجمع من خلال تنميته لصورة متضادة الأطراف بأن ألحق الحب بالموت وجعل لهذا الموت سبيلا يتعلم ويتدرج في تحصيل فقهه ودروسه؟
لو كان العنوان: أبجدية الحب حتى الموت، أو أبجدية حب الموت أكان ذلك يلحق بعتبات النص أضرارا تؤثر على مسارات السرد وبرامج شخوصه ومصائرهم؟
ههنا إذا تتطلب القراءة وقفة للتحليل الدلالي والتأويل، لأن العنوان في الرواية المعاصرة لم يعد قبعة إضافية ولا زينة ملحقة بجسم مكتمل قد يستغني عن الزوائد بل إنه يمثل جزءا حيويا من النص إلى درجة تمثيل صلب الدلالة وكأنه دال ومدلوله باقي النص أو بالعكس مدلول يفسر دال النص كله، فإلى أي حد نجد عنوان متننا المدروس قد اجتمعت أوصاله بنصه وفي أي صورة أظهر هذا التواشج والتلاقي؟

شظايا المقومات وكيمياء التركيب

يتضمن العنوان إذا ثلاث وحدات معجمية: أبجدية، الموت، حبا: حين نحلل كلا منها نجد مايلي:
- أبجدية: تطلق على مجموعة الحروف العربية، وهي تتضمن معاني التعليم والبدايات والاستهلال والتدرج والمعلومات الضرورية... إلخ
- الموت: حالة الفناء والنهاية والافتراق والوحدة والغاية ونهاية المقاصد والسعي... إلخ
- الحب: عاطفة إيجابية بالميل نحو الخالق أو الإنسان أو الأشياء أو القيم... إلخ
فما النواة الدلالية المنماة من خلال هذا المثلث المعجمي ذي الأضلاع المتضادة؟ ما الذي جمع مفردة تنطوي على التعليم والاستهلال والاتجاه المتنامي وهي الأبجدية مع مفردة تنطوي على الانتهاء والتفرق والوحشة ألا وهي الموت مع ثالثة هي عاطفة تتضمن الميل والاتصال والأنس والاجتماع والخصب والإثمار؟
إن سياق التركيب يفعل فعله ويعتصر من افتراضات المعجم رحيقا مضافا ودلالة مولدة ويستثمر من مؤجلات المعاني ومعلقاتها ما يمكن أن يند عن العقل المحصي والنظر المدقق. فما الذي حينه النص السردي وجهز به أجواء التأليف ومجاريه حتى التأمت هذه المتنازعات؟
لننظر ما الذي يتولد عن ضم الأبجدية إلى الموت: ليس غريبا ولا بعيدا كون الموت حالة تثير رعب السامع وكل حي، كيف لا وظلالها كافية لتنهي إلى متلقيها حالة حبس الزمن عن الجريان وتوقف كل المرادات والنوايا، أما وأن المفردة تنضم إلى الأبجدية فإنها تنصبغ ببعض مقوماتها، فيصبح للموت قواعد تتعلم وحروفا وأصواتا تتلقى وتحفظ وتؤدى وفق تلك القواعد ليحكم لمستعملها بالصواب أو الحيدة.

هو إذا موت غير الموت، ونهاية غير النهاية بل لنقل هو موت لتبدأ الحياة، الحياة الحقيقية، ونهاية غير النهاية الجسدية المعلومة المكرورة، بل هي نهاية لحياة حقها النهاية لتبدأ حياة أخرى حقها أن تبدأ على أنقاض الأولى، ولذلك سرعان ما نجد هذا المنحى يتأكد حين ينضاف المركب إلى ما يميزه ويوضحه وهو "حبا". نعم هنا نجد المقومات تتضام بصورة أجود وتسوغ هذا اللقاء الصعب والمجاورة المستغربة للوهلة الأولى، فإذا بنا نتفهم كل الفهم ونتشرب بملء الفم والوجدان أن "للموت حبا" طريق على سالكيه معرفة مسالكه ومساربه، لأنه موت يولد الحياة ونهاية تؤسس لبداية وفناء ينتفض من رفاته البقاء، وموت بهذا الخطر يتطلب بالفعل معرفة فنه وسبله، إنه فن الموت لصناعة الحياة وهنا تتضافر بكل سلاسة مقومات: التعلم / الفناء / الإثمار، لأنها مقومات ضرورية لفرد واحد في هذا الوجود والكون الذي شيده نص الرواية إنه: المقاوم.

النص يستكمل عتبات عنوانه

لا نستعجل النص كي يعطينا ثماره قبل أن نبذل في سبيل القطاف ما يطلبه الثمر الطيب، لأن السؤال الذي نحن في مواجهته الآن هو: نتعلم الموت حبا في سبيل ماذا؟ وهنا بالضبط تلوح لنا الإجابة عن العلاقة العضوية والوظيفية بين العنوان كعتبة للنص ومتن النص كامتداد ما لعتباته، فهاهو العنوان في صياغته اللغوية غير مكتمل فـ (أبجدية الموت حبا) تركيب لا يفي بالمطلوب ولا يحسن السكوت عليه كما يقول النحاة حتى يوردنا مقصده وفائدته، ولم نر من المتلفظين بالحب مفصولا عن لواحقه إلا ما تجيزه أعراف العشاق والشعراء، لأن ذكر الحب مع متعلقه هو من الحشو عندهم وتحصيل الحاصل أن تضاف للحب إضافة لأنه أصبح من كثرة استعماله دالا على مضافه عرفا وتداولا وسابقة، أما هنا في مسار السرد فلن نعمم القاعدة ولن نجري عرف العشاق والشعراء فيه، حتى وإن وجدنا في متن النص السردي هذا أجواء العشق غامرة وسوقه عامرة.
وليس هذا التأبي والامتناع إلا لأن التركيب جعل من الحب تمييزا للموت الذي كما رأينا ينمي تيمة الفناء والفراق، فالعتبات إذا تدفعنا راغمين نحو استنطاق النص بل نحو استثماره لاستكمال تركيب العتبات ونفهم المسار الذي تدفع باتجاهه هذه المقومات المسرودة في حديد العنوان وقالبه.

المسارات المتضادة وتوليد الكفاءة

في النص مساران سرديان، مسار الذاكرة ومسار الحاضر، مساران بسيطان من حيث الكثافة السردية، فليس فيه عوالم متداخلة رغم تباعد المسارين زمنيا، فهناك مسار للسارد بضمير "أنا" وهو صوت الحاضر، أو هو صوت المأساة في وجهها الحاضر، ومسار للسارد الثاني بضمير "هي" ولكنه يسرد بضمير "أنا" أيضا فالسارد واحد ولكن بضمير "أنا" الرجل في الحاضر و"أنا" المرأة في الماضي وإن انزلق السارد الحقيقي وأسماها "هي" ليكشف لنا ربما من غير أن يقصد أنه لا سارد إلا واحدا في الحالين، ورغم ذلك فصورة السرد المزدوج قد تحققت وفتحت لنا منفذا للتساؤل عن سر التاريخ المؤنث والذاكرة اللطيفة وعن سر الحاضر المذكر والآن الخشن؟

تأنيث الذاكرة

ألا يؤدي تأنيث الذاكرة إلى تعقيم المخصب كما يؤدي تذكير الحاضر إلى نضوب المستقبل؟ لو كان صوت الأنثى للحاضر وصوت المذكر للماضي ألم يكن ذلك متماشيا مع موت مولد للحياة وفناء ينبثق عنه البدء والولادة؟
لنغلق هذا المنفذ الآن لندلف إلى المسارين ونحاول أن نربط البدايات بالنهايات والمآلات ونصل إلى استكمال تركيب العتبات.
المسار الأول يقوده السارد البطل بصوت "أنا"، صورة شاب وصف نفسه بضعف الذاكرة التي كانت سبب فشله الدراسي، وحين نقول الذاكرة نقول الفشل في التعلم، لأن لكل معرفة أبجديات تحفظ وتلقن، لكن صاحبنا يعزو فشله السابق بهذه الذاكرة العليلة ويربط بها فشلا متوقعا على صعيد العسكرية أيضا.
من المنظور السيميائي يسمى مثل هذا النقص خللا في الكفاءة اللازمة للقيام بالبرنامج المؤدي إلى الاتصال بالموضوع المرغوب. نعم هذا بالفعل ما وصل إليه السارد نفسه، فهو يتوقع الفشل في المهام التي تنتظره بناء على نقص القدرة على تذكر القوانين وطرق استعمال السلاح... إلخ.
في مقابل هذا المسار المليء بالتوقعات السلبية لدينا مسار آخر يتموقع زمنيا في الماضي ولكنه مرتبط فضائيا بالمسار الأول لأنه يتناول الحيز ذاته أي شبه جزيرة الفاو التي كانت مسرحا لمعارك طاحنة بين العراق وإيران، إذا فالمبرر الذي يجمع المسارين واضح على الأقل في تيمة الحرب التي يواجهها الساردان وكذا فضاء إنجاز مهمتيهما.
لكن المسارين متمايزان إلى حد التضاد، وسنرى قيمة التضاد في توليد المعنى وحتى توليد المسارات السردية في النظرية السيميائية التي تشكل بقدر ما خلفية هذا التحليل.

يتمايز مسار "هي" بأنه مسار الرغبة ومسار "أنا" هو مسار الجبر، وهذا مهم جدا في تشكيل كفاءة من يتصدى لإنجاز المهمة، فقد وجدنا السارد يتوقع الفشل في مهمته، فقد دفع إليها دفعا ثم هو منقوص من آلة التحصيل والتعلم، أما "هي" فتحركها رغبة متوارثة منذ عشرات السنين في المسير إلى جبهات القتال كلما تحركت أوصال العراق بالشكوى من معتد أو غاز، ثم هي تتنازع الخروج إلى الجبهة مع والدها في رغبة جامحة إلى السبق بالفداء، بينما نجد مسار "أنا" يظهر الخروج إلى العسكرية ومن ثم إلى الجبهة باعتباره خبرا مفزعا ينتظره الكل كأمر لا مفر منه ومن ثم يوصي الأب ابنه بالصبر والرجولة مظنة أن تظهر على الفتى آثار التردد.
ومع أن الوالد ذو خلفية عسكرية فإن هذا الأمر لم يصب في تكوين كفاءة السارد، بل وسعت من نطاق التناقض بين الواقع والمطلوب، خلاصة الأمر أن مسارين متضادين لبرنامج واحد يشق أحدهما طريقه بين فجاج الذاكرة والتاريخ والثاني يتلوى بصعوبة بين مسامات الحاضر.
لكن لنؤكد أن البرنامج هو نفسه: برنامج القتال أو التحرير أو رد المعتدي، ثم تأتي مرحلة الإنجاز الفعلي والقيام بالمهمة، وعلى التوازي بين المسارين ينتقل "أنا" في لحظة مفاجئة غير منتظرة إلى الجبهة، كما انتقلت على المسار الآخر "هي" إلى الجبهة ولكن عن وعي وإصرار وترصد للعدو وتحين لكل ما يترتب على الأمر من تكاليف وأثمان.

الإنجاز وأبجدية الفداء

وفي الجبهة يجري ما لم يكن في الحسبان، فعلى مسار "أنا" يتم استدراك ما كان ينقص الكفاءة من مواصفات، يستوعب السارد البطل أبجدية الموت في الميدان وهو يرى رجال المقاومة يتساقطون والراية تنتقل من ساعد إلى ساعد ولعلعة الرصاص فوق الرؤوس لا تزيدهم إلا إصرارا على بلوغ حدود الجبهة وإرغام العدو على التراجع إلى حيث بدأ عدوانه.
يتعلم أبجدية إطلاق الرصاص واستعمال السلاح والصبر على السير في الأوحال وتحت ضرب المدافع، ولنقل إن استكمال الكفاءة جاء في أسرع وقت لأن الدوافع والحوافز كانت من الحدة وشدة التوتر ما جعل حساب الزمن غير ذي معنى، ولنربط كل هذا بالمسار الآخر مسار "هي" التي تقف على الجبهة ذاتها في عدوان مماثل وكأن صوت التاريخ وصورته اللذان تجسدا في "هي" لتشكيل الدرس الذي تم استيعابه على الأرض، درس التاريخ ودرس الذاكرة، درسها "هي" لأنها هي: الأرض.
هكذا إذا، الأرض وحدها حركت الذاكرة لتتعلم الدرس، وحركت التاريخ حتى لا تتكرر إلا المسارات المقاومة. وهنا نفهم إبداع التوليفة بين المسارين ولماذا سارا متضادين، بكل بساطة لأن في التضاد يكمن الغرض السردي ذاته، لأن مسار "أنا" يتعلم من مسار "هي"، أي إن مسار الفداء يأخذ من مسار الأرض، فيتولد عنهما المقاوم الكفء القادر على دفع المعتدين.
بقي الآن استكمال عتبات العنوان: فقد رأينا برنامج المقاومة يصل مقاصده، وتولد من درس التاريخ استحياء الهمة والروح، فانقلب الموات حيوية وحماسة واندفاعا، واستدرك تعلم أبجدية القتال الذي كان محل المساءلة والاستنكاف إلى وسيلة الأمن والحياة، لقد فهم الفتى أن في الموت سر الحياة وفي القتال سر الأمن والبقاء فلا مندوحة من مجابهة الظالم إذا أراد المسالم أن يعيش في أمان.
إنها أبجدية الموت حبا للأرض...
كيف تم تعلم كل ذلك؟
لقد تم ذلك بفضل ذاكرة الأرض والوطن، نعم الأرض استنهضت في أهلها نخوتهم وعلمتهم كيف يموتون لتحيا أجيال، والتاريخ مليء بالنماذج وهنا بالضبط يقع معنى توالد الحياة من الموت والبقاء من الفناء ونفهم ألا سبيل إلى تلك العتبات فيكون للموت حبا أبجدية لا تتعلم إلا بأن يكون الحب للأرض.

د. جمال حضري / الجزائر
djhadri@yahoo.fr





أتى هذا النص من مجلة أفق الثقافية
http://www.ofouq.com

عنوان الرابط لهذا النص هو:
http://www.ofouq.com/today/modules.php?name=News&file=article&sid=3166

لوحة خطية

صورة شخصية

Friday, October 07, 2005

منابع الخوف : جاسم الرصيف في مزاغله الجديدة: شوقي عبد الحميد - مصر

الإباحية السياسية والثقافية والفكرية في مجتمعات ظل
منابع الخوف عند جاسم الرصيف ... شوقي عبد الحميد يحيى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ناقد ــ مصر
ـــــــــــــــــــــــ

الكاتب هو مرآة عصره ، لكنه ليس مرآة عاكسة لما هو على السطح ، ولكنها مرآة تصدر أشعة تخترق ما فوق السطح لتعكس ما ليس بواضح للآخرين ، لذا فقد يتحدث الكاتب عن أشياء ، وربما كان يعني أشياء أبعد منها ، فعندما أراد تولستوي أن يقدم ويلات الحرب ، قدم عملا لم يتحدث عن الحرب مباشرة ، بل لم يذكر الحرب – تقريبا – بشكل مباشر على طول الرواية الرائدة "الحرب والسلام" ،

وعندما أراد نجيب محفوظ أن ينبه إلى ما يعيشه الشعب المصري تحت السطح قبيل كارثة يونيو 67 ، قدم "الطريق" وقدم "ثرثرة فوق النيل" ، وبعد أن وقعت الكارثة قدم "ميرامار" و "الكرنك" وغيرها ، كذلك قدم بهاء طاهر في "قالت ضحى" و "شرق النخيل" ، وغير ذلك من الأعمال التي تناولت ما جرى وأسباب ما جرى في يونيو 67 . (1)

وما أشبه الليلة بالبارحة وكأننا نحن العرب لا نعي أي درس ، فثلما كل العصور تبدأ بالحاكم وتنتهي بنهايته ليبدأ عصر جديد ، تمر بنا الخيبات ونتناساها لتقع خيبات أخرى حتى ولو أشد إيلاما . فما أشبه ما حدث في يونيو بما حدث في العراق حينما احتل الكويت وفتح بيبان النيران على ليس العراق فحسب وإنما على الأمة العربية كلها ، ولتنطفئ مصابيح النفط على العرب جميعا ، وليظهر في العراق نجيب محفوظ وليظهر بهاء طاهر وليظهر جاسم الرصيف وليقدم لنا "مزاغل الخوف" والتي ينهي رحلتها الطويلة بمفتاح الولوج إلى عالمها الرحب حين يقرر :-
[ .. ثم دوت "متأخرة جداً" نيران رجال الحمايات والمرافقين نحو "مزبلة الشيطان" وسط ذعر أكثر من أربعمائة رجل وعدد لا يحصى من الأطفال والشحاذين والحيوانات المشردة ، فانطفأت كل الفوانيس النفطية في "حي التنك" المقابل للقصر مساء "أول جمعة صادفت بعد احتلال الكويت" .. ] (2). ولتكون كما لحظة التنوير في القصة القصيرة التقليدية ، تضيء العمل وتكشف خباياه والمغلق من معانيه ، وعليه تكون قراءة العمل .

تقع أحداث الرواية في إحدى بقاع العراق ، بل في بؤرة من البؤر العشوائية فيها تلك التي يباح فيها كل شيء ، - وتذكرنا تلك البقعة بـ "حي الجاموس" في رواية الشاعرة المصرية سهير المصادفة – لذا فقد كان توفيقا من الكاتب في اختيار مثل ذلك الحي الذي يمكن من خلاله تقديم كل صنوف الانفلات الأخلاقي الذي أراده الكاتب تعبيرا عن الحالة العراقية التي أدت به في النهاية لانطفاء مصابيحه ، وضياع ليس أرضه واقتصاده فحسب ، وإنما تاريخه وحرية ناسه بالدرجة الأولي ، وأتاحت للكاتب أن يستخدم الجنس بطريقة مبررة لا مغالاة فيها ، الأمر الذي يثير التساؤل حول مصادرة الرواية في قطر عربي ، ولنتصفح الرواية علنا نستطيع دحض تلك المزاعم الساذجة .

تدور الرواية على مستوى السطح الأفقي لتقدم أكثر من رواية على لسان أكثر من راوي ، لكنها تتشابك جميعا لتقدم في النهاية رؤية كلية لانعكاسات الحكم الديكتاتوري ، وتتوحد الشخوص في نهاية الرواية وتتماهى في بعضها البعض ، فتتوحد شخصية "ستار عجقة" في تلك الشخصية المتحدثة تحت عنوان "أنا" ولنكتشف أنهما معا يشكلان الشعب العراقي "الموقوف" أو المعتقل في سجون الحكم الديكتاتوري العائم في تموجات الفساد ، وتتوحد شخصية نور الهدى – تلك التي كانت الطهر والعفة إلى أن اغتصبها ابن الجيران لتتحول بعده إلى "ونسه خباثة" – وواضح بالطبع المفارقة بين الاسمين والدلالة التي يؤديها كل منهما – بل يعمد الكاتب إلى تمويه اسمها وعدم تحديده بين نور الهدى و ونسه خباثة وسحر ليؤكد أنها ليست شخصية حقيقية ولتصبح الرواية رواية رمزية تشير فيها وإنما هي العراق ذاته ذلك الذي كان ...... ، ثم أصبح مستباحا منتهكا من الجميع ، "ولم يعد لأبوابه من ضرورة" ولتنضم "مزاغل الخوف" في العراق إلى أخواتها من الروايات الرمزية التي سادت في مصر فترة الستينيات وما جرى فيها .

وعلى الرغم من أنه حكم فردي بالدرجة الأولي ، إلا أن مجموعات عديدة تتولى ممارسة النهب والتسلط والفساد والقهر على باقي أفراد الشعب ، فهناك أولا السلطة الرئاسية ، تلك التي لها اليد العليا ، الغائبة الحاضرة ، وكأنها الجبلاوي في رائعة نجيب محفوظ الروائية "أولاد حارتنا" ، فالسيد الرئيس هو الحاضر الغائب ، فعلى الرغم من عدم ظهوره مطلقا طوال مسيرة الرواية ، إلا أنه متلسط على أفعال كل شخوصها ، سواء بالخوف والتبجيل ، أو بالكره والرفض لأفعاله التي دفعت البلاد للعيش في حروب مستمرة – ونذكر بأن وقائع الرواية تقع في الفترة بين حربي الخليج ، الحرب مع إيران واحتلال الكويت وما أدت إليه من تدمير كامل للعراق ، الأمر الذي جعل السجن هو الأمان :-
[ .. لم أر المعركة لأنني كنت في سجن "المقر الخلفي" البعيد إلى حد ما ، عن جبهة القتال "جنة الحرب" هكذا يسمونه الذين أدمنوا الذهاب إلى السجن لنيل بعض الأمان والراحة .. ] (3) فإذا كانت تلك هي الرؤية لما يدور بالبلاد على الصعيد الخارجي ، فإنها لم تكن بأفضل من ذلك عليه في الداخل حيث يظل السيد الرئيس متسلطا بقوة رغم عدم ظهوره ، وليظل
[ .. من السهولة أن يشتم المرء الله في مركز المدينة ، "باب الطوق" المزدحم أبدا بالمارة ، دون أن يمسخه الله قردا على الفور أو يرسل إليه صاعقة تفحمه ، ولكن أي امرئ يمس قدسية مالك الجهات الأربع "غمام البين" يعدم لا محالة ، بتهمة "الخيانة" ] (4).

ثم يعبر جاسم الرصيف عن ذلك التسلط والتصنت الذي هو سمة أساسية في الحكم الديكتاتوري بإسلوب ساخر معبر في : -
[ .. ولم يستغرب أحد سرعة رد الفعل لأن الجميع كانوا على يقين أن "الحيطان" كل الحيطان ، حتى غرف النوم لها آذان ، وأن الأسرة ، والنوافذ ، والطيور ، ودود الأرض ، وغيره ينصت لصالح "ملك الجهات الأربع" في البلد ، بإخلاص وطني لا نظير له !! ويسعى مخلصا لتمليكه الجهة الخامسة طبعا السماء .. ] (5)

وهناك كذلك ممن يمارسون التعدي والقهر على الشعب ، أفراد الحزب ، والمخابرات والمختارون وغيرهم ، كل يعمل في واد لحسابه وكل يخون كل ، حتى اختلطت الأمور وتنوعت مصادر الفساد والإفساد ، فأصبح [ .. لا أحد يدري !! ولا أحد يستطيع الإجابة عن ذلك السؤال العجيب : من يخون من ؟ ! ومن يسرق من ؟! من يخاف من ؟!!] (6). وقد أدت هذه الممارسات إلى ألوان من العذاب النفسي على البشر استطاع جاسم الرصيف أن يعبر عنها بصدق يحسب له . فنرى "أنا" – وهو أحد الضمائر في الرواية عندما يساق إلى "الوقف" – الاعتقال – دون جريرة يعلمها ودون محاكمة – وهو يظن أنه لا بد هناك خطأ ما ، وأنهم لابد سيكتشفون ذلك بين لحظة وأخرى ، ينظر الراوي إلى الموقفين حين يقدم إليهم ما يسمى بالغذاء ، يتصيد بعضهم حبة أرز تكون قد تساقطت على الأرض ، ويعتري الراوي الدهشة حينما يرى ذلك في أحد بلاد النفط :
[ .. فانتبهت لأول مرة في حياتي إلى قيمة "حبة أرز مسلوقة" مجرد حبة !! يحتاجها إنسان حقا ليعالج جوعه . فانتابني مزيج من مشاعر ، ما شعرت بمثلها من قبل ، بين النقلة التي يكتشفها المرء نفسه فجأة عندما يكتشف حبة أرز لها قيمة في هذه الحياة ، وبين الجوع الذي أراه في بلد يعوم على النفط يشبع عشرات الملايين ، وصدمتني لا مكانية هذا المكان ، وربما حتى لا سببية الإقامة فيه عندما يفكر الإنسان حقا أنه إنسان .. ] (7).

وأراني مسوق نحو تقديم تلك الفقرة رغم طولها ، إلا أني أراها تقدم صورة مما استطاع جاسم الرصيف تجسيده من مظاهر التعذيب والقهر النفسي والبدني ، ذلك الذي أراه يعنيه بالدرجة الأولي من عمله الجميل ، والتي يراها ، وأراها بؤرة (منابع الخوف) المبرر نفسيا وفنيا حينما يواصل "أنا" شهادته للتاريخ وللأيام وللأجيال عما رآه وعاناه في محبسه غير المبرر :
[ .. ولكنني شعرت بالضربة بين فخذي ، تفجر في جسدي ألم ما شعرت بمثله طوال حياتي ، تعمد أن يضربني على خصيتي !! لم أتوقع الضربة . حاولت يداي الفرار من قيدهما خلف ظهري وأنا أتهاوى على الأرض ، تلويت على نفسي وأنا أكتم أقسى "آه" عرفها فمي . وتوقعت ضربة أخرى ، تمددت على الأرض . تكورت على نفسي كما تفعل القنافذ حين تحمي نفسها ، كما الأجنة في بطون أمهاتها ، فيما كان هذا يسألني ببرود :- نعم أم لا ؟ فتظاهرت بالإغماء . إن أجبت نعم فإنه قد يربطني بجرة قلم واحدة بأخطر متآمر على السيد الرئيس "حفظه الله" ....
ولأنني تأخرت في الإجابة تلقيت ركلة أخرى على مؤخرتي ، لم تثر في جسدي ألما مثل ألم الضربة الأولى ، مع أنها موجعة !! ، فتمنيت أن تكون الضربة الثالثة على نفس المكان ، فأجبت من بين أسناني التي ما زالت ، ويا فرط دهشتي !! تعض الحبل : نعم ولا !! وأرجوك دعني أشرح ذلك ، أرجوك سيدي ، وأكدت حروف "سيدي" ، عندئذ شعرت بخط من النار يكوي فخذي ومؤخرتي ، وبخط آخر يكوي جبهتي وزندي ، وثالث يصعق ظهري . كان يضربني "بالكيبل" . كانت النيران تشتعل في جسدي كله ، وكنت أسعى بجنون لحماية رأسي من الضربات ، تركت له أعضائي كلها ليضربها كما يشاء وهو يردد إجابتي ساخرا : نعم لا ، نعم لا ، ويكرر الضرب عند نعم على حدة ولا على حدة يا ابن الكلب تريد أن تلعب ؟ ! العب ، نعم لا ، نعم لا ، ولم يعثر لساني في تلك اللحظات على غير كلمة واحدة أصرخها : الله الله !! تأخذ معها بعضا من الألم الرهيب الذي يتآكل جسدي ....... ] (8) .
فهنا نجد المرارة والألم يعتصران الإنسان ، إضافة إلى الشعور بالمهانة والظلم ، وعندما يعتصر الإنسان الألم ، يكون الموت أصعب الأماني ، وعندما يستبد به الظلم ، لا يجد إلا الدعاء ، وعندما يصبح الدعاء غير مستجاب ، قد ينزلق الإنسان الضعيف نحو ما قد يخرجه عن المألوف ، وهذا ما فعله جاسم الرصيف عندما سحق الإنسان تحت وطأة وجبروت الظلم ضاع منه الإنسان وضاعت منه القيم والأخلاق المتعارف عليها ، فكان الخروج – عند الشخوص – على بعض المسلمات المقدسة وكان ما قد يبدو إغراق في الجنس والإباحية ، بينما العمل لا يمت إلى ذلك بصلة ، لكنه الصدق الفني ، والصدق الموضوعي ، والتي لو استطردنا في الاستشهادات من واقع العمل ذاته لتبيان كيف استطاع جاسم الرصيف أن يحدث الأثر النفسي الضاغط ليولد فينا الثورة على تلك الأوضاع ، لتضخم حجم هذه القراءة ، ولكننا نستطيع القول بارتياح أن الرواية استطاعت أن تتعامل مع الإحساس والوجدان ، بعيدا عن أي خطابية ممجوجة ، أو تقريرية تخرج بالفن عن وسائله .

وعلي الرغم من سير الرواية بطريقة أفقية ، ودورانها حول حالة محددة ، الأمر الذي قد يوحي ألا تصاعد فيها ، إلا أن جاسم الرصيف تغلب على ذلك بمحاولة خلق المقابلة أو المفارقة التي تساعد في خلق الإحساس بالحركة و التي تنعكس بالتالي على القارئ في مثل تلك الحالة التي خلقتها "مي حركات" بتهيئتها لـ "ونسه خباثة" وإعادتها عذراء بطريقة صناعية لتقدمها لرأس كبير جدا ، وامتناع ونسه عن تسليم نفسها لمن أتاها حتى لو كان "ستار" نفسه مؤجلة ذلك لما بعد الليلة الموعودة مع ذلك الرأس الكبير جدا الذي يريد بكرا ، بعد أن ظلت – كما يمكن أن يقال (تعلفها) وكأنها خروف يهيأ ليوم الذبح – وبعد كل تلك التجهيزات والاستعدادات ، يأتي الرأس الكبير جدا ، وبعد أن (ريل) لمرآها ، كان أول ما طلبه منها – بعد أن استلقي على بطنه أن (إبعصيني) . فالصورة على بشاعتها وانحطاطها ، إلا أنها تقدم تلك المفارقة بين من يذلون شعبا بأكمله ، ومن تهتز الأبدان لسماع اسمه ، ومن رسمت حوله الهالات في حالة الخارج ، وبين تلك الصورة الوضيعة التي هو عليها في أدق خصوصياته فكانت الصورة معبرة خير تعبير ، خاصة أنها جاءت مركزة موجزة ، على غير ما سنرى فيما بعد . يضاف إليها كذلك صور زوجات الشيخ بعيو ذلك الذي يعد أكبر رأس في تلك المنطقة ، وأحد رجال السلطة فيها ، وما رسمه الكاتب حوله من قدرات وإمكانيات ، ثم نتبين ذهاب "الشيخة الصغيرة" إلى "معيط" أحد رجال الشيخ بعيو وابن أخيه في نفس الآن ، متسللة لتزيد الصورة انحدارا وتدهورا ، ثم الشيخة الكبيرة تذهب أيضا إلى "ستار عجقة" لتفعل نفس الفعلة – غير أنها لم تكن على نفس المستوى من الصدق الفني الذي كانت عليه فعلة الشيخة الصغيرة – ولتعلو نبرة السؤال المحير من جديد "من يخون من؟ ومن يسرق من؟" وليتعاظم الاضطراب والتخبط الذي أراد جاسم الرصيف تصويره .

كذلك مما يحسب للكاتب تغلبه على طول العمل بتقنية التقطيع لروايات الشخوص المتتابعة السريعة والتي استخدم فيها تقنية الإخراج التليفزيوني الذي ما أن يصل برواية واحد من الشخوص إلى نقطة تنقطع عندها الأنفاس ترقبا وانتظارا ، حتى يتعمد التوقف عندها والانتقال إلى رواية شخصية أخرى ، مما جعل القارئ يظل يلهث وراء العمل – رغم طوله النسبي – حتى النهاية .

إلا أن ذلك – الطول النسبي – لم يسلم من بعض ما يؤخذ على الكاتب مثل :
تعرضت ونسه لعملية اغتصاب وحشية ، ترددت فيها كلمة "يا هلا ونسه" ، وبعدها وبينما هي جالسة في حجرتها كان هذا المشهد :
[ .. وعلى أضواء البطاريات التي كانت تتقاطع بكثرة في ظلام الغرفة ، شاهدت ضابطا وبصحبته "المختار" الذي كان يحدق ببله صريح في وجهها قبل أن يقول بفرح : ونسه ؟؟!! يا هلا بونسه !! . فشعرت أنها تفقد الوعي ..... ] (9) ، ولو توقف الكاتب عند هذا لترك للقارئ مساحة للتصور والتخيل ، والربط الذي لابد سيجعله يسترجع واقعة الاغتصاب التي ارتبطت بتلك الجملة ، إلا أن الكاتب استطرد [ .. بعد سماع تلك الجملة التي ذكرتها بما جرى لها في "مزبلة الشيطان" قبل فترة .
كذلك لم تكن مبررة تلك الواقعة التي تم فيها استدعاء "الشيخ بعيو" من قبل أولئك السادة لإذاقته بعضا من التعنيف والكشف لأفعاله التي يظن أنها خافية ، دون سابق تمهيد أو لاحق تأثير ، فجاءت كالبيت الوقف في منطقة عراء – حتى لو كان الكاتب يرمي من ورائها دخول هؤلاء السادة معه في القسمة غير أن ذلك لم يكن فنيا على الوجه المراد .
كذلك إحساس الشيخ بعيو – أيضا – بالرغبة الجنسية في مكتب السيد مدير مكتب السيد الرئيس ، لم يكن ذلك أيضا مبررا فنيا ولا منطقيا ، حيث لم يكن الشيخ يعاني أي تقصير في أداء مهامه في ذلك الجانب ، إلا انسياق الكاتب وراء الرغبة في زيادة قتامة الصورة .

وعلي الرغم من كل شيء ، تظل "مزاغل الخوف" علامة روائية في أدب المقاومة ، مقومة الظلم ، مقاومة الديكتاتورية ، مقاومة الفساد ، وصرخة قد توقظ العالم العربي من ثباته ، وبرغم أنها صرخة ، فإن بها من دفء الإبداع وحرارة الفن ما يمكن أن يذيب الجليد المتجمد في مجتمعاتنا العربية .

هوامش :
1- يراجع كتاب " يونيو 67 وأثره في الرواية المصرية – الهيئة المصرية العامة للكتاب لكاتب هذه السطور .
2- مزاغل الخوف . جاسم الرصيف المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة الأولي 2004 - ص 315
3- ص 20
4- ص 17
5- ص 11
6- ص 309
7- ص 58
8- ص 255
9- ص 214

- شوقي عبد الحميد يحيى
shawkyshawky2004@yahoo.com



ـJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJ




رواية ممنوعة بشعرية الخوف ... عبد الحق ميفراني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ناقد ــ المغرب
ـــــــــــــــــــــــ

صدر للروائي العراقي جاسم الرصيف (مقيم في أمريكا) رواية بعنوان "مزاغل الخوف" في طبعة أولى عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، وتأتي هذه الرواية التي تقع في 358 صفحة لتتم مشروع جاسم الرصيف الروائي الذي بدأ بروايته "الفصيل الثالث" (1)

" رواية مزاغل الخوف هي عن أرض "خارجة عن القانون" في واقع الحال العراقي في الفترة المحصورة بين نهاية حرب الخليج الأولى 1980 -1988 وحرب الخليج الثانية 1991، وبشر مطارد في زمن يتناهبه القراد، عن وطن "يمشي على قدمين متعاديتين" .

بهذا التذييل يقدم الروائي جاسم الرصيف روايته مزاغل الخوف وهي عتبة دالة لولوج نص روائي ظل كاتبه وفيا في تنظيم بنائه بشكل تتوازى فيه أصوات السارد المتعددة والتي تحكي عن وطن مأساوي الملمح والرؤية ، من خلال وجه مصغر للوطن وهو هنا : الثالولة، حي التنك ، بتاريخ "يشبه رمالا صحراوية ، جافة ، ساخنة .. فلا أحد في الثالولة قادرا على وقف لعنة الكوارث" خصوصا في أرض "خارجة عن القانون" وفي هذه الأرض ، تقدم "مزاغل الخوف" مشهدا سورياليا لمأساة وطن ، تصل إباحيته المرة لدرجة التعفن ، وهي سير لوحدات مجتمعة ، تبني لشخوصها بعدا تنكشف مراتبه في تدرج خطي يتنامى ، فشخصية ستار عجقة ، وونسة خباثة، والشيخ بعيو وآخرون شخوص يعمقون بمحكياتهم لعبة الدوال في مزاغل الخوف بشكل نجد فيه أنفسنا أمام نص روائي يحتمل نصوصا موازية داخله ، إذ ثمة تنظيم واعي للعبة الحكي في الرواية ، وحضور عناوين معزولة لا تربط سارد/1 بسارد/2 تجعل من هذه التقنية التي وظفها جاسم الرصيف في رواياته السابقة نمطا خاصا بكتابات الروائي ، وخصوصية روائية انشطارية عن نص روائي حاضر بقوة.

إن العالم التخييلي الذي يقترحه نص مزاغل الخوف يولد أفعالا روائية تنتظم في انشطارها إلى حكايات تنمو بتوازي وصولا إلى انذغامها الكلي في حكاية واحدة هي الأساس لنحصل على ترسيمة تالية :

الثالولة ، حي التنك : حكاية ستار عجقة + حكاية ونسة خباثة + حكاية أنا + حكاية الشيخ بعيو..

تنتهي الرواية بجملة سردية أساسية : "انطفأت كل الفوانيس النفطية في حي التنك المقابل للقصر مساء "أول" جمعة صادفت احتلال الكويت" ، إن هذه الإشارة السردية هي بنية ينهض على خلفايتها النص الروائي ككل ، إذ يقدم السارد عمله الروائي وفق تزاوج العديد من البنيات الحكائية الصغرى والتي تقدم المشهد العراقي في مأساويته لحظة بلحظة في أرض تدخل وتخرج في حروب متوالية ، فأساس هذا العالم الغني الواسع الدلالات والمشبع بلغة جنسية تتوالد بقوة .

وكرواية السؤال لغالب هلسا تخفي اللغة الجنسية التي تصل إلى حدود إيروتيكية فاضحة ، وضع الاستيلاب والقمع الممارس على أجساد شخوص تخفي خلال هذا الكبت ، والممارسات الفاضحة جزء من وسخ الواقع المر ، الذين يعيشونه ، أما الروائي جاسم الرصيف فيقدم تصورا مختلفا إذ يفضح عراء عالم في تحرره السري والفاضح وحتى اللحظات التي يعلن فيها السارد الإله مستويات هذا التخييل والذي نراه خصوصية في أعمال جاسم الرصيف ، إذ أن اللغة الجنسية والمقاطع السريرية المطروحة هكذا في تناسق دلالي واضح هي جزء من عالم نفسي لنص موازي يتوافق مع بنية العمل الروائي ، فمزاغل الخوف هي صرخة مباشرة لفضح هذه ت تمارس عاداتها السرية دون الرغبة في التصريح، ولعل إصرار السلطات الأردنية على مصادرة الرواية بعذر أنها "إباحية" تطرح أكثر من سؤال لأن عمقها راجع لهذا الأساس ، أكثر من ثيمتها "محاولة اغتيال حقيقية جرت ضد صدام حسين أثناء احتفالات عيد الجيش العراقي في 6 كانون الثاني 1991 والتي حضرها الملك حسين وحسني مبارك وعلي عبدالله صالح ، إذ خطّط قائد العملية النقيب سطم الجبوري من أهالي قضاء الشرقاط / جنوب الموصل مع جماعته لتغيير أربعة أنظمة عربية في آن وذلك بنسف منصّة الإستعراض بمن فيها ، ولكن محاولته انكشفت في اللحظات الأخيرة قبل تنفيذها فأعدم المذكور مع جماعته ومنهم القاص والروائي حسن مطلك / كاتب رواية ( دابادا ) والحكم بالسجن المؤبد على القاص المعروف محمود جنداري ، الذي توفي بعد أسابيع من إطلاق سراحه بموجب عفو عام عن السجناء السياسيين !! وعلى هامش هذه المحاولة تم طرد أعداد كبيرة جدّاً من أبناء العشيرة التي ينتمي إليها النقيب سطم الجبوري ، ووضع المشتبه في ولائهم تحت المراقبة ومنهم الشخصية الرئيسية في الرواية الذي اعتقل بعد ذلك ونال أصنافا شتى من التعذيب !! وفي سياق السرد ورد وصف لتشبث صدام حسين بالانتماء إلى (سادة العرب) من (بني هاشم) وهذا ما أغاض السلطات الأردنية كما يبدو !!" (2).

إن البناء العميق الذي تنهض عليه مزاغل الخوف هو كشف هذا الوجه البشع للسلطة وتمركزها كحمولة إيديولوجية تؤسس بقيم الترهيب والتعسف وديكتاتورية بشعة أوجه آلية مغيبة لا أوجه المواطنة ، إن العمق التخييلي لرواية مزاغل الخوف مادة حية ، مميزة في متغيرها كبنية ونسق ، وكحمولة معرفية تؤسس مفارقات الدلالة والمعنى عبر اللعب على توظيف أرض عبارة عن وطن مصغر هو حي التنك ، وهي وحدة تتفرع منها وحدات فرعية حكائية لشخوص تواجه الخوف.. الخوف فقط ، وهو المجسم الوحيد الأساسي للدلالة .

وبعيدا عن هذا الفعل الحفري ، يتجه نص مزاغل الخوف في اتجاه استكمال مشروع روائي بدأ برواية الفصيل الثالث ، ، ولا زال يبني أفقه الروائي ، ويقدم هذا المتن حمولات كافية لإعادة قراءة راهن العراق ليس كجغرافية ولا كأيديولوجية ولا كشعارات سياسية ، إذ ثمة احتفاء بالعمق الإنساني الثاوي في خلفية التناول السردي للمحكي وثمة بنية عميقة مضمرة تحفر عميقا لتولد نصوصا تفضح الوجه البشع للسلطة لكنها سلطة فكرية أساسا بحمولاتها التي تتفرع من السياسي إلى الإنساني .

رواية مزاغل الخوف رواية تعيد سؤال الوعي بسيرة كتابة الحظر والمنع ، وهي إحدى أشكال كتابات المنفى في صياغاتها الإشكالية ، لتؤسس بوعي جديد أفق يتداخل التخييلي فيه على المستوى الحكائي بتأويل الاستعادة والاسترجاع ، ولعل خصوبة النص النقدي في استجلاء وعي الكتابة ، وتشريح للمادة الحكائية كفيل بتقديم معالم هذا الحس التخييلي المؤطر لشعرية الخوف.

الهوامش:
(1) جاسم الرصيف : روائي عراقي يقيم في أمريكا ، صدر له
- ( الفصيل الثالث ) 1983 من جزأين .
- ( القعر ) 1985 من جزأين في مجلّد واحد
- ( خطّ أحمر ) 1987 ، أعيد طبعها 2000
- ( حجابات الجحيم ) 1988 ، طبعة ثانية 2000
- ( أبجدية الموت حبّاً ) 1990 ، طبعة ثانية 2000
- ( تراتيل ألوأد ) 1992 ، طبعة ثانية 2000 ، طبعة ثالثة2004
- ( ثلاثاء ألأحزان السعيدة ) 2000 ، طبعة ثانية 2004

2 ) " أفق" / متابعات

جاسم الرصيف: رواية ممنوعة بشعرية الخوف

رواية ممنوعة بشعرية الخوف ... عبد الحق ميفراني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ناقد ــ المغرب
ـــــــــــــــــــــــ

صدر للروائي العراقي جاسم الرصيف (مقيم في أمريكا) رواية بعنوان "مزاغل الخوف" في طبعة أولى عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، وتأتي هذه الرواية التي تقع في 358 صفحة لتتم مشروع جاسم الرصيف الروائي الذي بدأ بروايته "الفصيل الثالث" (1)

" رواية مزاغل الخوف هي عن أرض "خارجة عن القانون" في واقع الحال العراقي في الفترة المحصورة بين نهاية حرب الخليج الأولى 1980 -1988 وحرب الخليج الثانية 1991، وبشر مطارد في زمن يتناهبه القراد، عن وطن "يمشي على قدمين متعاديتين" .

بهذا التذييل يقدم الروائي جاسم الرصيف روايته مزاغل الخوف وهي عتبة دالة لولوج نص روائي ظل كاتبه وفيا في تنظيم بنائه بشكل تتوازى فيه أصوات السارد المتعددة والتي تحكي عن وطن مأساوي الملمح والرؤية ، من خلال وجه مصغر للوطن وهو هنا : الثالولة، حي التنك ، بتاريخ "يشبه رمالا صحراوية ، جافة ، ساخنة .. فلا أحد في الثالولة قادرا على وقف لعنة الكوارث" خصوصا في أرض "خارجة عن القانون" وفي هذه الأرض ، تقدم "مزاغل الخوف" مشهدا سورياليا لمأساة وطن ، تصل إباحيته المرة لدرجة التعفن ، وهي سير لوحدات مجتمعة ، تبني لشخوصها بعدا تنكشف مراتبه في تدرج خطي يتنامى ، فشخصية ستار عجقة ، وونسة خباثة، والشيخ بعيو وآخرون شخوص يعمقون بمحكياتهم لعبة الدوال في مزاغل الخوف بشكل نجد فيه أنفسنا أمام نص روائي يحتمل نصوصا موازية داخله ، إذ ثمة تنظيم واعي للعبة الحكي في الرواية ، وحضور عناوين معزولة لا تربط سارد/1 بسارد/2 تجعل من هذه التقنية التي وظفها جاسم الرصيف في رواياته السابقة نمطا خاصا بكتابات الروائي ، وخصوصية روائية انشطارية عن نص روائي حاضر بقوة.

إن العالم التخييلي الذي يقترحه نص مزاغل الخوف يولد أفعالا روائية تنتظم في انشطارها إلى حكايات تنمو بتوازي وصولا إلى انذغامها الكلي في حكاية واحدة هي الأساس لنحصل على ترسيمة تالية :

الثالولة ، حي التنك : حكاية ستار عجقة + حكاية ونسة خباثة + حكاية أنا + حكاية الشيخ بعيو..

تنتهي الرواية بجملة سردية أساسية : "انطفأت كل الفوانيس النفطية في حي التنك المقابل للقصر مساء "أول" جمعة صادفت احتلال الكويت" ، إن هذه الإشارة السردية هي بنية ينهض على خلفايتها النص الروائي ككل ، إذ يقدم السارد عمله الروائي وفق تزاوج العديد من البنيات الحكائية الصغرى والتي تقدم المشهد العراقي في مأساويته لحظة بلحظة في أرض تدخل وتخرج في حروب متوالية ، فأساس هذا العالم الغني الواسع الدلالات والمشبع بلغة جنسية تتوالد بقوة .

وكرواية السؤال لغالب هلسا تخفي اللغة الجنسية التي تصل إلى حدود إيروتيكية فاضحة ، وضع الاستيلاب والقمع الممارس على أجساد شخوص تخفي خلال هذا الكبت ، والممارسات الفاضحة جزء من وسخ الواقع المر ، الذين يعيشونه ، أما الروائي جاسم الرصيف فيقدم تصورا مختلفا إذ يفضح عراء عالم في تحرره السري والفاضح وحتى اللحظات التي يعلن فيها السارد الإله مستويات هذا التخييل والذي نراه خصوصية في أعمال جاسم الرصيف ، إذ أن اللغة الجنسية والمقاطع السريرية المطروحة هكذا في تناسق دلالي واضح هي جزء من عالم نفسي لنص موازي يتوافق مع بنية العمل الروائي ، فمزاغل الخوف هي صرخة مباشرة لفضح هذه الإباحية السياسية والثقافية والفكرية في مجتمعات ظلت تمارس عاداتها السرية دون الرغبة في التصريح، ولعل إصرار السلطات الأردنية على مصادرة الرواية بعذر أنها "إباحية" تطرح أكثر من سؤال لأن عمقها راجع لهذا الأساس ، أكثر من ثيمتها "محاولة اغتيال حقيقية جرت ضد صدام حسين أثناء احتفالات عيد الجيش العراقي في 6 كانون الثاني 1991 والتي حضرها الملك حسين وحسني مبارك وعلي عبدالله صالح ، إذ خطّط قائد العملية النقيب سطم الجبوري من أهالي قضاء الشرقاط / جنوب الموصل مع جماعته لتغيير أربعة أنظمة عربية في آن وذلك بنسف منصّة الإستعراض بمن فيها ، ولكن محاولته انكشفت في اللحظات الأخيرة قبل تنفيذها فأعدم المذكور مع جماعته ومنهم القاص والروائي حسن مطلك / كاتب رواية ( دابادا ) والحكم بالسجن المؤبد على القاص المعروف محمود جنداري ، الذي توفي بعد أسابيع من إطلاق سراحه بموجب عفو عام عن السجناء السياسيين !! وعلى هامش هذه المحاولة تم طرد أعداد كبيرة جدّاً من أبناء العشيرة التي ينتمي إليها النقيب سطم الجبوري ، ووضع المشتبه في ولائهم تحت المراقبة ومنهم الشخصية الرئيسية في الرواية الذي اعتقل بعد ذلك ونال أصنافا شتى من التعذيب !! وفي سياق السرد ورد وصف لتشبث صدام حسين بالانتماء إلى (سادة العرب) من (بني هاشم) وهذا ما أغاض السلطات الأردنية كما يبدو !!" (2).

إن البناء العميق الذي تنهض عليه مزاغل الخوف هو كشف هذا الوجه البشع للسلطة وتمركزها كحمولة إيديولوجية تؤسس بقيم الترهيب والتعسف وديكتاتورية بشعة أوجه آلية مغيبة لا أوجه المواطنة ، إن العمق التخييلي لرواية مزاغل الخوف مادة حية ، مميزة في متغيرها كبنية ونسق ، وكحمولة معرفية تؤسس مفارقات الدلالة والمعنى عبر اللعب على توظيف أرض عبارة عن وطن مصغر هو حي التنك ، وهي وحدة تتفرع منها وحدات فرعية حكائية لشخوص تواجه الخوف.. الخوف فقط ، وهو المجسم الوحيد الأساسي للدلالة .

وبعيدا عن هذا الفعل الحفري ، يتجه نص مزاغل الخوف في اتجاه استكمال مشروع روائي بدأ برواية الفصيل الثالث ، ، ولا زال يبني أفقه الروائي ، ويقدم هذا المتن حمولات كافية لإعادة قراءة راهن العراق ليس كجغرافية ولا كأيديولوجية ولا كشعارات سياسية ، إذ ثمة احتفاء بالعمق الإنساني الثاوي في خلفية التناول السردي للمحكي وثمة بنية عميقة مضمرة تحفر عميقا لتولد نصوصا تفضح الوجه البشع للسلطة لكنها سلطة فكرية أساسا بحمولاتها التي تتفرع من السياسي إلى الإنساني .

رواية مزاغل الخوف رواية تعيد سؤال الوعي بسيرة كتابة الحظر والمنع ، وهي إحدى أشكال كتابات المنفى في صياغاتها الإشكالية ، لتؤسس بوعي جديد أفق يتداخل التخييلي فيه على المستوى الحكائي بتأويل الاستعادة والاسترجاع ، ولعل خصوبة النص النقدي في استجلاء وعي الكتابة ، وتشريح للمادة الحكائية كفيل بتقديم معالم هذا الحس التخييلي المؤطر لشعرية الخوف.

الهوامش:
(1) جاسم الرصيف : روائي عراقي يقيم في أمريكا ، صدر له
- ( الفصيل الثالث ) 1983 من جزأين .
- ( القعر ) 1985 من جزأين في مجلّد واحد
- ( خطّ أحمر ) 1987 ، أعيد طبعها 2000
- ( حجابات الجحيم ) 1988 ، طبعة ثانية 2000
- ( أبجدية الموت حبّاً ) 1990 ، طبعة ثانية 2000
- ( تراتيل ألوأد ) 1992 ، طبعة ثانية 2000 ، طبعة ثالثة2004
- ( ثلاثاء ألأحزان السعيدة ) 2000 ، طبعة ثانية 2004

2 ) " أفق" / متابعات

رويترز : جاسم الرصيف : الثألوة وحي التنك والبؤس والسخرية : من جورج جحا

[Reuters.com] [Reuters.com]

YOU ARE HERE: Home > News > أخبار المنوعات > Article
جاسم الرصيف: الثألولة وحي التنك والظلم والبؤس والسخرية
Sat Jul 9, 2005 8:49 AM GMT
Printer Friendly


بيروت (رويترز) - ما يميز رواية جاسم الرصيف "مزاغل الخوف" لا يتمثل بطريقة توزيع "فصولها" فهذا الأمر لم يضف إليها أمرا جديا بل اقتصر على "شكلية" هي على رغم ما فيها من جدة.. لا تقدم ولا تؤخر.. ولعلها تؤخر اذ تخلق ما قد يشبه الملل من تكرار الاسماء.

يتميز هذا الكاتب العراقي بقدرته على نقل أجواء الناس حركة وفكرا ومشاعر.. بسخرية دائمة وبشيء من الشعرية الحادة في غلالة من شبه الخرافة احيانا وبقدرة جلية ايضا على نقل اجواء عالم الظلم والفقر والجهل والاستغلال.

رواية الرصيف وهي تاسعة رواياته صدرت عن (المؤسسة العربية للدراسات و النشر) في 317 صفحة متوسطة القطع.

عنوان الرواية الداخلي حمل كلمات اضافية بعد "مزاغل الخوف" هي إيضاح لما تدور حوله الرواية وجاءت على الصورة التالية "عن ارض ..خارجة على القانون..وبشر مطارد في زمن يتناهبه القراد.. عن وطن يمشي الان على قدمين متعاديتين."

غلاف الكتاب حمل سطورا للناشر جاء فيها "مرة اخرى يحفر جاسم الرصيف في عمق المأساة العراقية من خلال مزاغل الخوف في حي بني على ارض خارجة على القانون بين حربي الخليح الاولى والثانية اللتين خلفتا وطنا ما زال يمشي على قدمين متعاديتين ومأساة ما زالت مرارتها الساخنة في كل مزاغل العراق."

تسير الرواية وفقا لنظام خاص بها فلا فصول ولا احداث متلاحقة من "الف" الى "باء".. الى ما بعدهما.. انما اسماء تتكرر وكأن كلا منها لازمة تطل ثم تغيب لتحل محلها اخرى وتستمر الحكاية.

تتكرر هذه الاسماء العناوين ما لا يقل عن 170 مرة في مجموعها ولكل اسم منها حصة هي ما بين صفحة وصفحة ونصف صفحة الي صفحتين. وتوزع ذلك كله على ثلاثة اقسام.

والاسماء هذه غالبيتها لاشخاص ومنها واحد هو اسم لمكان. المكان هو "الثألولة. حي التنك."

والثألولة هي واحدة الثاليل وقد شرحت في احد الهوامش بانها "زائدة جلدية لا يتخلص منها المرء الا بقطعها." والاسم هو كاسماء اخرى رمزي من ناحية وواقعي من ناحية اخرى. اسم المكان هذا فيه من الرمزية ان الثألولة نمو غير طبيعي ومشوه وقد يكون قابلا للامتداد.

انها تعبير عن احزمة الفقر التي تحيط بمدن العالم الثالث بشكل خاص او تتكامل معها.

وهي "صروح.. للفقر والقذارة والخروج على القانون وللجريمة من ناحية ورموز للحرمان والتمييز والظلم الاجتماعي كذلك. انها توأم مدن الصفيح او مخيمات الزنك او.. الزنكو.. اكانت فلسطينية ولدها الاقتلاع والتشرد ام نتائج للنزوح الاجتماعي او الهجرة الداخلية من الريف الى المدينة. القسم.. الواقعي.

من الاسم هو "حي التنك" نفسه الذي يختصر البيوت والاماكن التي تشهد الوف الولادات والافراح والاحزان والوفيات واستمرار هذه الامور كلها من فترة زمنية الى اخرى.. والتكاثر الذي يذكر بكرة الثلج المتعاظمة.

من الاسماء "ستار عجقة" والعجقة عراقيا كما في سائر بلاد الشام يقصد بها بالعامية "وصف لخلط الامور بعضها ببعض عن جهل او تجاهل" كما جاء في حاشية اخرى.

يضاف الى ذلك معنى اخر هو الضجيج والضوضاء. اسم عنوان اخر اختصر بكلمة هي الضمير "انا" ومن بعده ياتي اسم "ونسة خباثة" يليه الاسم او العنوان الاخير "الشيخ بعيو."

تبدأ الرواية بستار عجقة وقد اوقعه عمله بين مطرقتي رجال الشرطة وثوار يهربون الاسلحة الى مناطقهم بمساعدته. انه في مقدمة القافلة "يستكشف الطريق بسيارته المطفأة الاضواء."

"وبعد قليل يتوقف فجاة. شعر بحركة ما في حقل المنطقة القريب. ترددت في اذنيه... فتعالت ضربات قلبه. توقع ان تلتصق بانفه في اللحظة القادمة فوهة رشاشة شرطي او.. رفيق من الحزب.. ولكن هذا لم يحصل فتأكد انه حيوان بري مرعوب مثله..."

ننتقل بعد ذلك الى "انا" ونبدأ معه في السجن. يقول "زنيت على حصيرة جامع هكذا خيل لي وسط غرفة التوقيف.. النتنة" وهي اول تجربة له من هذا النوع اثر اتهامات باطلة منها فراره من الجندية.

اما "ونسة خباثة" فهي بنت الهوى التي تستقبل الرجال وتعاني من نقطة ضعف تجاه احد الثوريين الحالمين. تنظر الى جدار غرفتها فتقرأ "صار لكل شيء ثمنه بعد ان فقدت الاشياء ثمنها."

هكذا كتب على الجدار باحمر الشفاه دون معرفتها قبل ان يدخل رجال المخابرات ويعتقلوه. تخاف من انهياره تحت التعذيب وتوريطها في ما لا تعرفه ولا تفهمه.

ونصل الي اسم المكان "الثألولة. حي التنك." يقول الكاتب ان تاريخه بدأ باربعة قتلى حيث قتل صاحب الاسم الرمزي المعبر "ضايع عبد الموجود" زوجته وأولاده الثلاثة سرا بحجة فسقها وانهم ليسوا اولاده فعلا وتظاهر بالحزن والتصميم على الانتقام ودفنهم في المكان اي البرية المواجهة للمدينة وبني مسكنه هناك وما لبث المكان ان صار مدينة تنك.

وتقول الاشاعات وفي رمزية قتالة.. انه اكتشف بعد ذلك ان قصة عقمه كانت خطأ من الطبيب وان الاولاد هم اولاده فعلا فقضى على نفسه بالموت.

اخر الاسماء والعناوين المتكررة هو "الشيخ بعيو" وبعيو اسم شعبي يستدل به على الطبقة الفقيرة غير المتعلمة وهو تحريف لكلمة.. بعباع.

انه الطبقة الفقيرة التي يدغدغها الرئيس وينعم عليها مثل اهدائه الشيخ بعيو سيارة حمراء.

نقرأ "اهم موعد في حياة الشيخ بعيو يقترب الان وهو يستجمع افكاره متخيلا ما سيجري عند ما يستقبله.. السيد الرئيس.. وكان يحاول انتقاء مفردات بعينها من مفردات اللقاء المنتظر.. يا عزنا.. لا.. يا عز العرب.. لا بأس.. يا مهندس مصيرنا.. حلوة.. يا فخر الامة العربية.. احلى."

وتدور الاسماء راوية ماسي العراق والمفجع المبكي والمضحك. ولعل بعض ابلغ "الخلاصات" في الرواية يتمثل في لقاء الشيخ بعيو و "الرفيق امين السر" و.. الرؤؤس الكبيرة.. وعند نهاية اللقاء وقبيل الانصراف والاتفاق على لقاءات اخرى انطلق الرصاص والقذائف ودوت الانفجارات.

وتأتي النهاية "كاريكاتورية" اذ بحثت عينا الشيخ "مرعوبا غير مصدق ما يراه ويسمعه الان فرأى الرفيق امين السر منبطخا تحت سيارة بيك اب وراسه يتلفت مذعورا نحو.. الشيخ.. ونحو.. القصر.. و.. وادي الحرامية.. الذي انطلقت منه النار.

"ثم دوت متأخرة جدا نيران رجال الحمايات والمرافقين نحو.. مزبلة الشيطان.. ووسط ذعر اكثر من اربعمئة رجل وعدد لا يحصى من الاطفال والشحاذين والحيوانات المشردة.. فانطفات كل الفوانيس النفطية في.. حي التنك.. المقابل للقصر مساء.. اول.. جمعة صادفت بعد احتلال الكويت."

من جورج جحا


© Reuters 2005AllRightsReserved