الروائي العراقي جاسم الرصيف

سيرة ذاتية للروائي العراقي جاسم الرصيف وأعماله الروائية المنشورة مع بعض المقالات .

Friday, October 07, 2005

تراتيل الوأد : جاسم الرصيف

الروائي جاسم الرصيف


تراتيل الوأد: من يطفئ نار الهزائم

2001/07/8


رياض أبو عواد - مصر

جاءت ظروف الحصار المفروض على العراق لتحرمنا من التواصل مع منتجَه الثقافي، وهو بلد كان وما زال يشكل إحدى الركائز الأساسية في الثقافة العربية، وبعد كل هذا الانقطاع وجدت صدفة في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابقة أربع روايات للكاتب العراقي "جاسم الرصيف"، كانت "تراتيل الوأد" إحداها.

والرواية حسب تاريخ نشرها في عام 1992 من أوائل الروايات التي تناولت حرب الخليج الثانية وانعكاساتها على الشعب العراقي.

يستخدم الكاتب تعدد وتنوع الأصوات في الرواية بشكل فني ارتكز على عمل موزع على أبطال رواياته الأربع، مثل التوزيع السيمفوني الموسيقي لتقديم تراتيل الموت في وطنه، وتشترك فيه الصورة المعيشية والتقلبات النفسية لأبطال العمل.

عنوان الرواية منذ البدء يدل على الصعود الإجباري إلى رحاب موت لم يقرره الشخوص، مستخلصًا من التاريخ كلمة "الوأد"، في إشارة لما كانت تفعله قبائل عربية في الجاهلية من وأد بناتها؛ خوفا من عار وقوعهن في الأسر؛ ليرسم خط الرواية الدرامي؛ ليحدد منذ البداية خطوط نمو الشخصيات، بالانحدار التدريجي نحو الهزيمة الجماعية والفردية من خلال أحداث الحرب.

تشكل شخصية "خلف القشعام أبو الأبرد البدراني" الشخصية الأصعب والأكثر تعقيدا على صعيد السرد الروائي، فالكاتب يروي من خلالها تاريخ الحركة الوطنية العراقية عبر تهويماته الاسترجاعية وانتقاله إلى الحالي وعلاقاته مع ابنيه، زيدان وجواد، وعشيقة ابنه الأول أم نهاد الذين يشكلون الفريق السيمفوني الذي يقوده الكاتب.

خلف القشعام

عاش خلف كما روى في تهويماته حياة قرية جبلية منسية كواحد من أبنائها الفقراء المتمردين على حياتهم البائسة، وخاض فيها معاركه المتعددة، ضد الأتراك وضد ملاك الأراضي.

واستكمل معاركه ضد الإنجليز وأعوانهم، واستقر في قريته بعد رحيلهم، وتزوج وأنجب أطفاله الذين سرعان ما كبروا وغادروه إلى المدينة، واستطاع بفضل ذكرياته مع أصدقائه من المحاربين القدامى من الاستمرار في العيش بعد وفاة زوجته.

ويصف حياة البؤس التي عاشوها فترة حكم الأتراك؛ حيث اضطروا لأكل الكلاب والذئاب البرية، ودوره في إطعام أهالي بلدته من سلب الأغنياء وصيد البرية؛ لدرجة أن رائحة الذئاب التي اصطادها لازمته فترة طويلة.

ويصمت بعد انتصار الحركة الوطنية، ومغادرة أبنائه القرية إلى المدينة، رافضًا هذا المتغير، معتقدًا أن أبناءه تحولوا عن تاريخهم، ومعادل ذلك في العمل الأدبي تحولهم للعيش بالمدينة بما تتصف به من سهولة العيش مقارنة بالقرية، وهذا أبعدهم عن استكمال التحرر الوطني وقبولهم بالفتات.

وأحس بالحسرة التي تحولت إلى خوف على ابنه زيدان بعد بداية حرب الخليج الأولى عام 1980 التي اشترك زيدان فيها، وفيما بعد الابن الصغير الذي لا يظهر في العمل الروائي إلا من خلال مشاعر والده القلقة عليه بسبب وجوده في الخطوط الأمامية في حرب الخليج الثانية عام 1990.

وجمعت شخصية خلف القشعام تاريخ الحركة الوطنية، ومهّدت لظهور الشخصيات الأخرى التي تشكل نقيض تجربته؛ لكونها سليبة الإرادة وفي موقع الاستجابة لإرادات الآخرين وليس إرادتها الإنسانية الخاصة.

زيدان الخلف

صوت زيدان الخلف جاء الثاني من حيث الأهمية؛ لكونه محاربا متقاعدا بعد إصاباته المتكررة في حرب الخليج الأولى؛ ولكونه يشكل علاقة حية متنقلة بين الريف والمدينة، إضافة إلى علاقته الحرة مع أم نهاد التي لم تحكمها قيم ولا أعراف وهي العلاقة الحرة الوحيدة الاختيارية.

وهو يصف معاناة الجنود الذين رافقوه في مجموعته العسكرية والتي لم يعد أحد منها سليما، دون أن يحدد موقفا من هذه الحرب التي ألقت به في الشارع بعد أن دمّرت جسده وروحه دون أن يستطيع البوح بذلك، ويبقيها الروائي ضمن المسكوت عنه في النص، حيث تكثر الآهات الخافتة بما يتعلق بالوضع الداخلي في الوطن الذي ألغى قادته إرادة مواطنيه.

إضافة إلى ذلك يصف حياته التي فقد فيها حتى قدرته على المبالاة بما يجري من حوله ظاهريا، رغم أن مجرى الكلمات توحي بتمزقه وعجزه، خصوصا عند وجوده في بغداد في أثناء قصفها بطائرات الحلفاء، فكان يهرب من نفسه بالتوحد مع أم نهاد التي كانت ترغب بالتوحد معه إلى الأبد دون أن تبالي برأي المجتمع.

حالات من الوعي والتمرد كانت تنتابه إثر انتقاله للعيش مع والده في القرية هربا من القصف اليومي الذي يعصف بالعاصمة العراقية، فيهرب إلى مجرى الجدول المائي البارد ليغرق فيه غليان إحساسه بالعجز أمام تدمير الحياة الإنسانية، دون جدوى، ويعود مع أم نهاد إلى المدينة ليغرق معها وفي الخمر همومه في عبثية لا تنتهي.

جواد الخلف

وتمثل الرواية جواد الخلف من الذين ينحنون أمام الواقع الصعب، ولا يرفعون صوتهم بالشكوى أو الرفض ويكملون حياتهم بعيدا عن السؤال حيث يشل الخوف إرادتهم وحياتهم في إطار هيمنة الرؤساء.

فتنقل الرواية جواد الخلف لما قبل الحرب حيث إيقاعات العمل الحكومي وعلاقات الرؤساء غير المتوازنة بالمرؤوسين، وأثناء الحرب كيف تحول البسطاء من الموظفين وعامة الشعب بشكل تدريجي إلى الفقر؛ لدرجة البحث في براميل القمامة عن طعام لزوجاتهم وأطفالهم، في الوقت الذي تزيد فيه ثورات الأغنياء وتتمتع بحماية حكومته.

وكذلك يصبح الفقراء هدفًا للقصف الأمريكي، وتدور بينهم الصراعات من أجل لقمة العيش التي لا يستطيعون الحصول عليها؛ فهم المنسيون من الخدمات التي يوفرها النظام لرموزه وللأغنياء فقط.

أم نهاد

ويروي الصوت النسائي الوحيد الذي تعبر عنه أم نهاد حكاية المرأة في المجتمع العراقي بعيدا عن السياسية، وإن تداخلت مواقفها في السياسة بعد نشوب الحربين، فتقدم وصفا لفتاة من الطبقة المتوسطة تمردت على عائلتها وتزوجت من سائقهم الخاص، الذي تخلى عنها وأطفالها الثلاثة في بداية الحرب الأولى، فانحدر وضعها الاقتصادي وانتقلت في السلم الاجتماعي إلى الأسفل.

وحين التقت بزيدان قبل ليلة من الحرب الثانية أخذته إلى بيتها، في إشارة إلى وحدة الدمار الذي حققته الحرب الأولى في التركيبة الاجتماعية والنفسية بالمجتمع العراقي والمتغير الأخلاقي الذي جعلهما غير مباليين بكل شيء.

وتنتقل مع أولادها للعيش في قرية زيدان تحت سقف والده للاحتماء من قصف بغداد الوحشي، وفي محاولة لخلق توافق داخلي بين عالم زيدان المهزوم المليء بالانكسارات، وعالم جواد الخلف.

الخاتمة

تصل الرواية ذروتها في صفحاتها الأخيرة بتصوير مصائر أبطالها المأساوية؛ لفقدانهم حرية الاختيار، وهو ما يؤدي بعد إعلان وقف النار إلى جنون زيدان وهو يمضي عاريا أمام الناس إلى مجرى المياه ليطفئ نار هزيمته وعجزه في مائه البارد، وفي ذات الوقت الغرق في متدفق ماء النهر يشكل دائما رمزا لاستمرارية الحياة.

وتقف أم نهاد حائرة بين الجري وراءه أو الذهاب إلى أولادها والرجل العجوز، فهي العراق المغلوب على أمره، وكأنه لا يعرف إلى أين يمضي.

ويعود جواد للعيش في القرية بعد إعلان وقف إطلاق النار وفقدان زوجته وابنيه مذهولا، يحمل جثة ابنته المشلولة دون أن يدري بموتها، في إشارة واضحة الدلالة بأن الخنوع موت.

ويظل العجوز خلف القشعام يتأمل التلة التي تحتضن مقبرة القرية؛ مترقبا ما تحمله الأيام القادمة.

Links to this post:

Create a Link

<< Home