الروائي العراقي جاسم الرصيف

سيرة ذاتية للروائي العراقي جاسم الرصيف وأعماله الروائية المنشورة مع بعض المقالات .

Friday, October 07, 2005

جاسم الرصيف: رواية ممنوعة بشعرية الخوف

رواية ممنوعة بشعرية الخوف ... عبد الحق ميفراني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ناقد ــ المغرب
ـــــــــــــــــــــــ

صدر للروائي العراقي جاسم الرصيف (مقيم في أمريكا) رواية بعنوان "مزاغل الخوف" في طبعة أولى عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، وتأتي هذه الرواية التي تقع في 358 صفحة لتتم مشروع جاسم الرصيف الروائي الذي بدأ بروايته "الفصيل الثالث" (1)

" رواية مزاغل الخوف هي عن أرض "خارجة عن القانون" في واقع الحال العراقي في الفترة المحصورة بين نهاية حرب الخليج الأولى 1980 -1988 وحرب الخليج الثانية 1991، وبشر مطارد في زمن يتناهبه القراد، عن وطن "يمشي على قدمين متعاديتين" .

بهذا التذييل يقدم الروائي جاسم الرصيف روايته مزاغل الخوف وهي عتبة دالة لولوج نص روائي ظل كاتبه وفيا في تنظيم بنائه بشكل تتوازى فيه أصوات السارد المتعددة والتي تحكي عن وطن مأساوي الملمح والرؤية ، من خلال وجه مصغر للوطن وهو هنا : الثالولة، حي التنك ، بتاريخ "يشبه رمالا صحراوية ، جافة ، ساخنة .. فلا أحد في الثالولة قادرا على وقف لعنة الكوارث" خصوصا في أرض "خارجة عن القانون" وفي هذه الأرض ، تقدم "مزاغل الخوف" مشهدا سورياليا لمأساة وطن ، تصل إباحيته المرة لدرجة التعفن ، وهي سير لوحدات مجتمعة ، تبني لشخوصها بعدا تنكشف مراتبه في تدرج خطي يتنامى ، فشخصية ستار عجقة ، وونسة خباثة، والشيخ بعيو وآخرون شخوص يعمقون بمحكياتهم لعبة الدوال في مزاغل الخوف بشكل نجد فيه أنفسنا أمام نص روائي يحتمل نصوصا موازية داخله ، إذ ثمة تنظيم واعي للعبة الحكي في الرواية ، وحضور عناوين معزولة لا تربط سارد/1 بسارد/2 تجعل من هذه التقنية التي وظفها جاسم الرصيف في رواياته السابقة نمطا خاصا بكتابات الروائي ، وخصوصية روائية انشطارية عن نص روائي حاضر بقوة.

إن العالم التخييلي الذي يقترحه نص مزاغل الخوف يولد أفعالا روائية تنتظم في انشطارها إلى حكايات تنمو بتوازي وصولا إلى انذغامها الكلي في حكاية واحدة هي الأساس لنحصل على ترسيمة تالية :

الثالولة ، حي التنك : حكاية ستار عجقة + حكاية ونسة خباثة + حكاية أنا + حكاية الشيخ بعيو..

تنتهي الرواية بجملة سردية أساسية : "انطفأت كل الفوانيس النفطية في حي التنك المقابل للقصر مساء "أول" جمعة صادفت احتلال الكويت" ، إن هذه الإشارة السردية هي بنية ينهض على خلفايتها النص الروائي ككل ، إذ يقدم السارد عمله الروائي وفق تزاوج العديد من البنيات الحكائية الصغرى والتي تقدم المشهد العراقي في مأساويته لحظة بلحظة في أرض تدخل وتخرج في حروب متوالية ، فأساس هذا العالم الغني الواسع الدلالات والمشبع بلغة جنسية تتوالد بقوة .

وكرواية السؤال لغالب هلسا تخفي اللغة الجنسية التي تصل إلى حدود إيروتيكية فاضحة ، وضع الاستيلاب والقمع الممارس على أجساد شخوص تخفي خلال هذا الكبت ، والممارسات الفاضحة جزء من وسخ الواقع المر ، الذين يعيشونه ، أما الروائي جاسم الرصيف فيقدم تصورا مختلفا إذ يفضح عراء عالم في تحرره السري والفاضح وحتى اللحظات التي يعلن فيها السارد الإله مستويات هذا التخييل والذي نراه خصوصية في أعمال جاسم الرصيف ، إذ أن اللغة الجنسية والمقاطع السريرية المطروحة هكذا في تناسق دلالي واضح هي جزء من عالم نفسي لنص موازي يتوافق مع بنية العمل الروائي ، فمزاغل الخوف هي صرخة مباشرة لفضح هذه الإباحية السياسية والثقافية والفكرية في مجتمعات ظلت تمارس عاداتها السرية دون الرغبة في التصريح، ولعل إصرار السلطات الأردنية على مصادرة الرواية بعذر أنها "إباحية" تطرح أكثر من سؤال لأن عمقها راجع لهذا الأساس ، أكثر من ثيمتها "محاولة اغتيال حقيقية جرت ضد صدام حسين أثناء احتفالات عيد الجيش العراقي في 6 كانون الثاني 1991 والتي حضرها الملك حسين وحسني مبارك وعلي عبدالله صالح ، إذ خطّط قائد العملية النقيب سطم الجبوري من أهالي قضاء الشرقاط / جنوب الموصل مع جماعته لتغيير أربعة أنظمة عربية في آن وذلك بنسف منصّة الإستعراض بمن فيها ، ولكن محاولته انكشفت في اللحظات الأخيرة قبل تنفيذها فأعدم المذكور مع جماعته ومنهم القاص والروائي حسن مطلك / كاتب رواية ( دابادا ) والحكم بالسجن المؤبد على القاص المعروف محمود جنداري ، الذي توفي بعد أسابيع من إطلاق سراحه بموجب عفو عام عن السجناء السياسيين !! وعلى هامش هذه المحاولة تم طرد أعداد كبيرة جدّاً من أبناء العشيرة التي ينتمي إليها النقيب سطم الجبوري ، ووضع المشتبه في ولائهم تحت المراقبة ومنهم الشخصية الرئيسية في الرواية الذي اعتقل بعد ذلك ونال أصنافا شتى من التعذيب !! وفي سياق السرد ورد وصف لتشبث صدام حسين بالانتماء إلى (سادة العرب) من (بني هاشم) وهذا ما أغاض السلطات الأردنية كما يبدو !!" (2).

إن البناء العميق الذي تنهض عليه مزاغل الخوف هو كشف هذا الوجه البشع للسلطة وتمركزها كحمولة إيديولوجية تؤسس بقيم الترهيب والتعسف وديكتاتورية بشعة أوجه آلية مغيبة لا أوجه المواطنة ، إن العمق التخييلي لرواية مزاغل الخوف مادة حية ، مميزة في متغيرها كبنية ونسق ، وكحمولة معرفية تؤسس مفارقات الدلالة والمعنى عبر اللعب على توظيف أرض عبارة عن وطن مصغر هو حي التنك ، وهي وحدة تتفرع منها وحدات فرعية حكائية لشخوص تواجه الخوف.. الخوف فقط ، وهو المجسم الوحيد الأساسي للدلالة .

وبعيدا عن هذا الفعل الحفري ، يتجه نص مزاغل الخوف في اتجاه استكمال مشروع روائي بدأ برواية الفصيل الثالث ، ، ولا زال يبني أفقه الروائي ، ويقدم هذا المتن حمولات كافية لإعادة قراءة راهن العراق ليس كجغرافية ولا كأيديولوجية ولا كشعارات سياسية ، إذ ثمة احتفاء بالعمق الإنساني الثاوي في خلفية التناول السردي للمحكي وثمة بنية عميقة مضمرة تحفر عميقا لتولد نصوصا تفضح الوجه البشع للسلطة لكنها سلطة فكرية أساسا بحمولاتها التي تتفرع من السياسي إلى الإنساني .

رواية مزاغل الخوف رواية تعيد سؤال الوعي بسيرة كتابة الحظر والمنع ، وهي إحدى أشكال كتابات المنفى في صياغاتها الإشكالية ، لتؤسس بوعي جديد أفق يتداخل التخييلي فيه على المستوى الحكائي بتأويل الاستعادة والاسترجاع ، ولعل خصوبة النص النقدي في استجلاء وعي الكتابة ، وتشريح للمادة الحكائية كفيل بتقديم معالم هذا الحس التخييلي المؤطر لشعرية الخوف.

الهوامش:
(1) جاسم الرصيف : روائي عراقي يقيم في أمريكا ، صدر له
- ( الفصيل الثالث ) 1983 من جزأين .
- ( القعر ) 1985 من جزأين في مجلّد واحد
- ( خطّ أحمر ) 1987 ، أعيد طبعها 2000
- ( حجابات الجحيم ) 1988 ، طبعة ثانية 2000
- ( أبجدية الموت حبّاً ) 1990 ، طبعة ثانية 2000
- ( تراتيل ألوأد ) 1992 ، طبعة ثانية 2000 ، طبعة ثالثة2004
- ( ثلاثاء ألأحزان السعيدة ) 2000 ، طبعة ثانية 2004

2 ) " أفق" / متابعات

0 Comments:

Post a Comment

Links to this post:

Create a Link

<< Home