منابع الخوف : جاسم الرصيف في مزاغله الجديدة: شوقي عبد الحميد - مصر
الإباحية السياسية والثقافية والفكرية في مجتمعات ظل
منابع الخوف عند جاسم الرصيف ... شوقي عبد الحميد يحيى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ناقد ــ مصر
ـــــــــــــــــــــــ
الكاتب هو مرآة عصره ، لكنه ليس مرآة عاكسة لما هو على السطح ، ولكنها مرآة تصدر أشعة تخترق ما فوق السطح لتعكس ما ليس بواضح للآخرين ، لذا فقد يتحدث الكاتب عن أشياء ، وربما كان يعني أشياء أبعد منها ، فعندما أراد تولستوي أن يقدم ويلات الحرب ، قدم عملا لم يتحدث عن الحرب مباشرة ، بل لم يذكر الحرب – تقريبا – بشكل مباشر على طول الرواية الرائدة "الحرب والسلام" ،
وعندما أراد نجيب محفوظ أن ينبه إلى ما يعيشه الشعب المصري تحت السطح قبيل كارثة يونيو 67 ، قدم "الطريق" وقدم "ثرثرة فوق النيل" ، وبعد أن وقعت الكارثة قدم "ميرامار" و "الكرنك" وغيرها ، كذلك قدم بهاء طاهر في "قالت ضحى" و "شرق النخيل" ، وغير ذلك من الأعمال التي تناولت ما جرى وأسباب ما جرى في يونيو 67 . (1)
وما أشبه الليلة بالبارحة وكأننا نحن العرب لا نعي أي درس ، فثلما كل العصور تبدأ بالحاكم وتنتهي بنهايته ليبدأ عصر جديد ، تمر بنا الخيبات ونتناساها لتقع خيبات أخرى حتى ولو أشد إيلاما . فما أشبه ما حدث في يونيو بما حدث في العراق حينما احتل الكويت وفتح بيبان النيران على ليس العراق فحسب وإنما على الأمة العربية كلها ، ولتنطفئ مصابيح النفط على العرب جميعا ، وليظهر في العراق نجيب محفوظ وليظهر بهاء طاهر وليظهر جاسم الرصيف وليقدم لنا "مزاغل الخوف" والتي ينهي رحلتها الطويلة بمفتاح الولوج إلى عالمها الرحب حين يقرر :-
[ .. ثم دوت "متأخرة جداً" نيران رجال الحمايات والمرافقين نحو "مزبلة الشيطان" وسط ذعر أكثر من أربعمائة رجل وعدد لا يحصى من الأطفال والشحاذين والحيوانات المشردة ، فانطفأت كل الفوانيس النفطية في "حي التنك" المقابل للقصر مساء "أول جمعة صادفت بعد احتلال الكويت" .. ] (2). ولتكون كما لحظة التنوير في القصة القصيرة التقليدية ، تضيء العمل وتكشف خباياه والمغلق من معانيه ، وعليه تكون قراءة العمل .
تقع أحداث الرواية في إحدى بقاع العراق ، بل في بؤرة من البؤر العشوائية فيها تلك التي يباح فيها كل شيء ، - وتذكرنا تلك البقعة بـ "حي الجاموس" في رواية الشاعرة المصرية سهير المصادفة – لذا فقد كان توفيقا من الكاتب في اختيار مثل ذلك الحي الذي يمكن من خلاله تقديم كل صنوف الانفلات الأخلاقي الذي أراده الكاتب تعبيرا عن الحالة العراقية التي أدت به في النهاية لانطفاء مصابيحه ، وضياع ليس أرضه واقتصاده فحسب ، وإنما تاريخه وحرية ناسه بالدرجة الأولي ، وأتاحت للكاتب أن يستخدم الجنس بطريقة مبررة لا مغالاة فيها ، الأمر الذي يثير التساؤل حول مصادرة الرواية في قطر عربي ، ولنتصفح الرواية علنا نستطيع دحض تلك المزاعم الساذجة .
تدور الرواية على مستوى السطح الأفقي لتقدم أكثر من رواية على لسان أكثر من راوي ، لكنها تتشابك جميعا لتقدم في النهاية رؤية كلية لانعكاسات الحكم الديكتاتوري ، وتتوحد الشخوص في نهاية الرواية وتتماهى في بعضها البعض ، فتتوحد شخصية "ستار عجقة" في تلك الشخصية المتحدثة تحت عنوان "أنا" ولنكتشف أنهما معا يشكلان الشعب العراقي "الموقوف" أو المعتقل في سجون الحكم الديكتاتوري العائم في تموجات الفساد ، وتتوحد شخصية نور الهدى – تلك التي كانت الطهر والعفة إلى أن اغتصبها ابن الجيران لتتحول بعده إلى "ونسه خباثة" – وواضح بالطبع المفارقة بين الاسمين والدلالة التي يؤديها كل منهما – بل يعمد الكاتب إلى تمويه اسمها وعدم تحديده بين نور الهدى و ونسه خباثة وسحر ليؤكد أنها ليست شخصية حقيقية ولتصبح الرواية رواية رمزية تشير فيها وإنما هي العراق ذاته ذلك الذي كان ...... ، ثم أصبح مستباحا منتهكا من الجميع ، "ولم يعد لأبوابه من ضرورة" ولتنضم "مزاغل الخوف" في العراق إلى أخواتها من الروايات الرمزية التي سادت في مصر فترة الستينيات وما جرى فيها .
وعلى الرغم من أنه حكم فردي بالدرجة الأولي ، إلا أن مجموعات عديدة تتولى ممارسة النهب والتسلط والفساد والقهر على باقي أفراد الشعب ، فهناك أولا السلطة الرئاسية ، تلك التي لها اليد العليا ، الغائبة الحاضرة ، وكأنها الجبلاوي في رائعة نجيب محفوظ الروائية "أولاد حارتنا" ، فالسيد الرئيس هو الحاضر الغائب ، فعلى الرغم من عدم ظهوره مطلقا طوال مسيرة الرواية ، إلا أنه متلسط على أفعال كل شخوصها ، سواء بالخوف والتبجيل ، أو بالكره والرفض لأفعاله التي دفعت البلاد للعيش في حروب مستمرة – ونذكر بأن وقائع الرواية تقع في الفترة بين حربي الخليج ، الحرب مع إيران واحتلال الكويت وما أدت إليه من تدمير كامل للعراق ، الأمر الذي جعل السجن هو الأمان :-
[ .. لم أر المعركة لأنني كنت في سجن "المقر الخلفي" البعيد إلى حد ما ، عن جبهة القتال "جنة الحرب" هكذا يسمونه الذين أدمنوا الذهاب إلى السجن لنيل بعض الأمان والراحة .. ] (3) فإذا كانت تلك هي الرؤية لما يدور بالبلاد على الصعيد الخارجي ، فإنها لم تكن بأفضل من ذلك عليه في الداخل حيث يظل السيد الرئيس متسلطا بقوة رغم عدم ظهوره ، وليظل
[ .. من السهولة أن يشتم المرء الله في مركز المدينة ، "باب الطوق" المزدحم أبدا بالمارة ، دون أن يمسخه الله قردا على الفور أو يرسل إليه صاعقة تفحمه ، ولكن أي امرئ يمس قدسية مالك الجهات الأربع "غمام البين" يعدم لا محالة ، بتهمة "الخيانة" ] (4).
ثم يعبر جاسم الرصيف عن ذلك التسلط والتصنت الذي هو سمة أساسية في الحكم الديكتاتوري بإسلوب ساخر معبر في : -
[ .. ولم يستغرب أحد سرعة رد الفعل لأن الجميع كانوا على يقين أن "الحيطان" كل الحيطان ، حتى غرف النوم لها آذان ، وأن الأسرة ، والنوافذ ، والطيور ، ودود الأرض ، وغيره ينصت لصالح "ملك الجهات الأربع" في البلد ، بإخلاص وطني لا نظير له !! ويسعى مخلصا لتمليكه الجهة الخامسة طبعا السماء .. ] (5)
وهناك كذلك ممن يمارسون التعدي والقهر على الشعب ، أفراد الحزب ، والمخابرات والمختارون وغيرهم ، كل يعمل في واد لحسابه وكل يخون كل ، حتى اختلطت الأمور وتنوعت مصادر الفساد والإفساد ، فأصبح [ .. لا أحد يدري !! ولا أحد يستطيع الإجابة عن ذلك السؤال العجيب : من يخون من ؟ ! ومن يسرق من ؟! من يخاف من ؟!!] (6). وقد أدت هذه الممارسات إلى ألوان من العذاب النفسي على البشر استطاع جاسم الرصيف أن يعبر عنها بصدق يحسب له . فنرى "أنا" – وهو أحد الضمائر في الرواية عندما يساق إلى "الوقف" – الاعتقال – دون جريرة يعلمها ودون محاكمة – وهو يظن أنه لا بد هناك خطأ ما ، وأنهم لابد سيكتشفون ذلك بين لحظة وأخرى ، ينظر الراوي إلى الموقفين حين يقدم إليهم ما يسمى بالغذاء ، يتصيد بعضهم حبة أرز تكون قد تساقطت على الأرض ، ويعتري الراوي الدهشة حينما يرى ذلك في أحد بلاد النفط :
[ .. فانتبهت لأول مرة في حياتي إلى قيمة "حبة أرز مسلوقة" مجرد حبة !! يحتاجها إنسان حقا ليعالج جوعه . فانتابني مزيج من مشاعر ، ما شعرت بمثلها من قبل ، بين النقلة التي يكتشفها المرء نفسه فجأة عندما يكتشف حبة أرز لها قيمة في هذه الحياة ، وبين الجوع الذي أراه في بلد يعوم على النفط يشبع عشرات الملايين ، وصدمتني لا مكانية هذا المكان ، وربما حتى لا سببية الإقامة فيه عندما يفكر الإنسان حقا أنه إنسان .. ] (7).
وأراني مسوق نحو تقديم تلك الفقرة رغم طولها ، إلا أني أراها تقدم صورة مما استطاع جاسم الرصيف تجسيده من مظاهر التعذيب والقهر النفسي والبدني ، ذلك الذي أراه يعنيه بالدرجة الأولي من عمله الجميل ، والتي يراها ، وأراها بؤرة (منابع الخوف) المبرر نفسيا وفنيا حينما يواصل "أنا" شهادته للتاريخ وللأيام وللأجيال عما رآه وعاناه في محبسه غير المبرر :
[ .. ولكنني شعرت بالضربة بين فخذي ، تفجر في جسدي ألم ما شعرت بمثله طوال حياتي ، تعمد أن يضربني على خصيتي !! لم أتوقع الضربة . حاولت يداي الفرار من قيدهما خلف ظهري وأنا أتهاوى على الأرض ، تلويت على نفسي وأنا أكتم أقسى "آه" عرفها فمي . وتوقعت ضربة أخرى ، تمددت على الأرض . تكورت على نفسي كما تفعل القنافذ حين تحمي نفسها ، كما الأجنة في بطون أمهاتها ، فيما كان هذا يسألني ببرود :- نعم أم لا ؟ فتظاهرت بالإغماء . إن أجبت نعم فإنه قد يربطني بجرة قلم واحدة بأخطر متآمر على السيد الرئيس "حفظه الله" ....
ولأنني تأخرت في الإجابة تلقيت ركلة أخرى على مؤخرتي ، لم تثر في جسدي ألما مثل ألم الضربة الأولى ، مع أنها موجعة !! ، فتمنيت أن تكون الضربة الثالثة على نفس المكان ، فأجبت من بين أسناني التي ما زالت ، ويا فرط دهشتي !! تعض الحبل : نعم ولا !! وأرجوك دعني أشرح ذلك ، أرجوك سيدي ، وأكدت حروف "سيدي" ، عندئذ شعرت بخط من النار يكوي فخذي ومؤخرتي ، وبخط آخر يكوي جبهتي وزندي ، وثالث يصعق ظهري . كان يضربني "بالكيبل" . كانت النيران تشتعل في جسدي كله ، وكنت أسعى بجنون لحماية رأسي من الضربات ، تركت له أعضائي كلها ليضربها كما يشاء وهو يردد إجابتي ساخرا : نعم لا ، نعم لا ، ويكرر الضرب عند نعم على حدة ولا على حدة يا ابن الكلب تريد أن تلعب ؟ ! العب ، نعم لا ، نعم لا ، ولم يعثر لساني في تلك اللحظات على غير كلمة واحدة أصرخها : الله الله !! تأخذ معها بعضا من الألم الرهيب الذي يتآكل جسدي ....... ] (8) .
فهنا نجد المرارة والألم يعتصران الإنسان ، إضافة إلى الشعور بالمهانة والظلم ، وعندما يعتصر الإنسان الألم ، يكون الموت أصعب الأماني ، وعندما يستبد به الظلم ، لا يجد إلا الدعاء ، وعندما يصبح الدعاء غير مستجاب ، قد ينزلق الإنسان الضعيف نحو ما قد يخرجه عن المألوف ، وهذا ما فعله جاسم الرصيف عندما سحق الإنسان تحت وطأة وجبروت الظلم ضاع منه الإنسان وضاعت منه القيم والأخلاق المتعارف عليها ، فكان الخروج – عند الشخوص – على بعض المسلمات المقدسة وكان ما قد يبدو إغراق في الجنس والإباحية ، بينما العمل لا يمت إلى ذلك بصلة ، لكنه الصدق الفني ، والصدق الموضوعي ، والتي لو استطردنا في الاستشهادات من واقع العمل ذاته لتبيان كيف استطاع جاسم الرصيف أن يحدث الأثر النفسي الضاغط ليولد فينا الثورة على تلك الأوضاع ، لتضخم حجم هذه القراءة ، ولكننا نستطيع القول بارتياح أن الرواية استطاعت أن تتعامل مع الإحساس والوجدان ، بعيدا عن أي خطابية ممجوجة ، أو تقريرية تخرج بالفن عن وسائله .
وعلي الرغم من سير الرواية بطريقة أفقية ، ودورانها حول حالة محددة ، الأمر الذي قد يوحي ألا تصاعد فيها ، إلا أن جاسم الرصيف تغلب على ذلك بمحاولة خلق المقابلة أو المفارقة التي تساعد في خلق الإحساس بالحركة و التي تنعكس بالتالي على القارئ في مثل تلك الحالة التي خلقتها "مي حركات" بتهيئتها لـ "ونسه خباثة" وإعادتها عذراء بطريقة صناعية لتقدمها لرأس كبير جدا ، وامتناع ونسه عن تسليم نفسها لمن أتاها حتى لو كان "ستار" نفسه مؤجلة ذلك لما بعد الليلة الموعودة مع ذلك الرأس الكبير جدا الذي يريد بكرا ، بعد أن ظلت – كما يمكن أن يقال (تعلفها) وكأنها خروف يهيأ ليوم الذبح – وبعد كل تلك التجهيزات والاستعدادات ، يأتي الرأس الكبير جدا ، وبعد أن (ريل) لمرآها ، كان أول ما طلبه منها – بعد أن استلقي على بطنه أن (إبعصيني) . فالصورة على بشاعتها وانحطاطها ، إلا أنها تقدم تلك المفارقة بين من يذلون شعبا بأكمله ، ومن تهتز الأبدان لسماع اسمه ، ومن رسمت حوله الهالات في حالة الخارج ، وبين تلك الصورة الوضيعة التي هو عليها في أدق خصوصياته فكانت الصورة معبرة خير تعبير ، خاصة أنها جاءت مركزة موجزة ، على غير ما سنرى فيما بعد . يضاف إليها كذلك صور زوجات الشيخ بعيو ذلك الذي يعد أكبر رأس في تلك المنطقة ، وأحد رجال السلطة فيها ، وما رسمه الكاتب حوله من قدرات وإمكانيات ، ثم نتبين ذهاب "الشيخة الصغيرة" إلى "معيط" أحد رجال الشيخ بعيو وابن أخيه في نفس الآن ، متسللة لتزيد الصورة انحدارا وتدهورا ، ثم الشيخة الكبيرة تذهب أيضا إلى "ستار عجقة" لتفعل نفس الفعلة – غير أنها لم تكن على نفس المستوى من الصدق الفني الذي كانت عليه فعلة الشيخة الصغيرة – ولتعلو نبرة السؤال المحير من جديد "من يخون من؟ ومن يسرق من؟" وليتعاظم الاضطراب والتخبط الذي أراد جاسم الرصيف تصويره .
كذلك مما يحسب للكاتب تغلبه على طول العمل بتقنية التقطيع لروايات الشخوص المتتابعة السريعة والتي استخدم فيها تقنية الإخراج التليفزيوني الذي ما أن يصل برواية واحد من الشخوص إلى نقطة تنقطع عندها الأنفاس ترقبا وانتظارا ، حتى يتعمد التوقف عندها والانتقال إلى رواية شخصية أخرى ، مما جعل القارئ يظل يلهث وراء العمل – رغم طوله النسبي – حتى النهاية .
إلا أن ذلك – الطول النسبي – لم يسلم من بعض ما يؤخذ على الكاتب مثل :
تعرضت ونسه لعملية اغتصاب وحشية ، ترددت فيها كلمة "يا هلا ونسه" ، وبعدها وبينما هي جالسة في حجرتها كان هذا المشهد :
[ .. وعلى أضواء البطاريات التي كانت تتقاطع بكثرة في ظلام الغرفة ، شاهدت ضابطا وبصحبته "المختار" الذي كان يحدق ببله صريح في وجهها قبل أن يقول بفرح : ونسه ؟؟!! يا هلا بونسه !! . فشعرت أنها تفقد الوعي ..... ] (9) ، ولو توقف الكاتب عند هذا لترك للقارئ مساحة للتصور والتخيل ، والربط الذي لابد سيجعله يسترجع واقعة الاغتصاب التي ارتبطت بتلك الجملة ، إلا أن الكاتب استطرد [ .. بعد سماع تلك الجملة التي ذكرتها بما جرى لها في "مزبلة الشيطان" قبل فترة .
كذلك لم تكن مبررة تلك الواقعة التي تم فيها استدعاء "الشيخ بعيو" من قبل أولئك السادة لإذاقته بعضا من التعنيف والكشف لأفعاله التي يظن أنها خافية ، دون سابق تمهيد أو لاحق تأثير ، فجاءت كالبيت الوقف في منطقة عراء – حتى لو كان الكاتب يرمي من ورائها دخول هؤلاء السادة معه في القسمة غير أن ذلك لم يكن فنيا على الوجه المراد .
كذلك إحساس الشيخ بعيو – أيضا – بالرغبة الجنسية في مكتب السيد مدير مكتب السيد الرئيس ، لم يكن ذلك أيضا مبررا فنيا ولا منطقيا ، حيث لم يكن الشيخ يعاني أي تقصير في أداء مهامه في ذلك الجانب ، إلا انسياق الكاتب وراء الرغبة في زيادة قتامة الصورة .
وعلي الرغم من كل شيء ، تظل "مزاغل الخوف" علامة روائية في أدب المقاومة ، مقومة الظلم ، مقاومة الديكتاتورية ، مقاومة الفساد ، وصرخة قد توقظ العالم العربي من ثباته ، وبرغم أنها صرخة ، فإن بها من دفء الإبداع وحرارة الفن ما يمكن أن يذيب الجليد المتجمد في مجتمعاتنا العربية .
هوامش :
1- يراجع كتاب " يونيو 67 وأثره في الرواية المصرية – الهيئة المصرية العامة للكتاب لكاتب هذه السطور .
2- مزاغل الخوف . جاسم الرصيف المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة الأولي 2004 - ص 315
3- ص 20
4- ص 17
5- ص 11
6- ص 309
7- ص 58
8- ص 255
9- ص 214
- شوقي عبد الحميد يحيى
shawkyshawky2004@yahoo.com
ـJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJ
رواية ممنوعة بشعرية الخوف ... عبد الحق ميفراني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ناقد ــ المغرب
ـــــــــــــــــــــــ
صدر للروائي العراقي جاسم الرصيف (مقيم في أمريكا) رواية بعنوان "مزاغل الخوف" في طبعة أولى عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، وتأتي هذه الرواية التي تقع في 358 صفحة لتتم مشروع جاسم الرصيف الروائي الذي بدأ بروايته "الفصيل الثالث" (1)
" رواية مزاغل الخوف هي عن أرض "خارجة عن القانون" في واقع الحال العراقي في الفترة المحصورة بين نهاية حرب الخليج الأولى 1980 -1988 وحرب الخليج الثانية 1991، وبشر مطارد في زمن يتناهبه القراد، عن وطن "يمشي على قدمين متعاديتين" .
بهذا التذييل يقدم الروائي جاسم الرصيف روايته مزاغل الخوف وهي عتبة دالة لولوج نص روائي ظل كاتبه وفيا في تنظيم بنائه بشكل تتوازى فيه أصوات السارد المتعددة والتي تحكي عن وطن مأساوي الملمح والرؤية ، من خلال وجه مصغر للوطن وهو هنا : الثالولة، حي التنك ، بتاريخ "يشبه رمالا صحراوية ، جافة ، ساخنة .. فلا أحد في الثالولة قادرا على وقف لعنة الكوارث" خصوصا في أرض "خارجة عن القانون" وفي هذه الأرض ، تقدم "مزاغل الخوف" مشهدا سورياليا لمأساة وطن ، تصل إباحيته المرة لدرجة التعفن ، وهي سير لوحدات مجتمعة ، تبني لشخوصها بعدا تنكشف مراتبه في تدرج خطي يتنامى ، فشخصية ستار عجقة ، وونسة خباثة، والشيخ بعيو وآخرون شخوص يعمقون بمحكياتهم لعبة الدوال في مزاغل الخوف بشكل نجد فيه أنفسنا أمام نص روائي يحتمل نصوصا موازية داخله ، إذ ثمة تنظيم واعي للعبة الحكي في الرواية ، وحضور عناوين معزولة لا تربط سارد/1 بسارد/2 تجعل من هذه التقنية التي وظفها جاسم الرصيف في رواياته السابقة نمطا خاصا بكتابات الروائي ، وخصوصية روائية انشطارية عن نص روائي حاضر بقوة.
إن العالم التخييلي الذي يقترحه نص مزاغل الخوف يولد أفعالا روائية تنتظم في انشطارها إلى حكايات تنمو بتوازي وصولا إلى انذغامها الكلي في حكاية واحدة هي الأساس لنحصل على ترسيمة تالية :
الثالولة ، حي التنك : حكاية ستار عجقة + حكاية ونسة خباثة + حكاية أنا + حكاية الشيخ بعيو..
تنتهي الرواية بجملة سردية أساسية : "انطفأت كل الفوانيس النفطية في حي التنك المقابل للقصر مساء "أول" جمعة صادفت احتلال الكويت" ، إن هذه الإشارة السردية هي بنية ينهض على خلفايتها النص الروائي ككل ، إذ يقدم السارد عمله الروائي وفق تزاوج العديد من البنيات الحكائية الصغرى والتي تقدم المشهد العراقي في مأساويته لحظة بلحظة في أرض تدخل وتخرج في حروب متوالية ، فأساس هذا العالم الغني الواسع الدلالات والمشبع بلغة جنسية تتوالد بقوة .
وكرواية السؤال لغالب هلسا تخفي اللغة الجنسية التي تصل إلى حدود إيروتيكية فاضحة ، وضع الاستيلاب والقمع الممارس على أجساد شخوص تخفي خلال هذا الكبت ، والممارسات الفاضحة جزء من وسخ الواقع المر ، الذين يعيشونه ، أما الروائي جاسم الرصيف فيقدم تصورا مختلفا إذ يفضح عراء عالم في تحرره السري والفاضح وحتى اللحظات التي يعلن فيها السارد الإله مستويات هذا التخييل والذي نراه خصوصية في أعمال جاسم الرصيف ، إذ أن اللغة الجنسية والمقاطع السريرية المطروحة هكذا في تناسق دلالي واضح هي جزء من عالم نفسي لنص موازي يتوافق مع بنية العمل الروائي ، فمزاغل الخوف هي صرخة مباشرة لفضح هذه ت تمارس عاداتها السرية دون الرغبة في التصريح، ولعل إصرار السلطات الأردنية على مصادرة الرواية بعذر أنها "إباحية" تطرح أكثر من سؤال لأن عمقها راجع لهذا الأساس ، أكثر من ثيمتها "محاولة اغتيال حقيقية جرت ضد صدام حسين أثناء احتفالات عيد الجيش العراقي في 6 كانون الثاني 1991 والتي حضرها الملك حسين وحسني مبارك وعلي عبدالله صالح ، إذ خطّط قائد العملية النقيب سطم الجبوري من أهالي قضاء الشرقاط / جنوب الموصل مع جماعته لتغيير أربعة أنظمة عربية في آن وذلك بنسف منصّة الإستعراض بمن فيها ، ولكن محاولته انكشفت في اللحظات الأخيرة قبل تنفيذها فأعدم المذكور مع جماعته ومنهم القاص والروائي حسن مطلك / كاتب رواية ( دابادا ) والحكم بالسجن المؤبد على القاص المعروف محمود جنداري ، الذي توفي بعد أسابيع من إطلاق سراحه بموجب عفو عام عن السجناء السياسيين !! وعلى هامش هذه المحاولة تم طرد أعداد كبيرة جدّاً من أبناء العشيرة التي ينتمي إليها النقيب سطم الجبوري ، ووضع المشتبه في ولائهم تحت المراقبة ومنهم الشخصية الرئيسية في الرواية الذي اعتقل بعد ذلك ونال أصنافا شتى من التعذيب !! وفي سياق السرد ورد وصف لتشبث صدام حسين بالانتماء إلى (سادة العرب) من (بني هاشم) وهذا ما أغاض السلطات الأردنية كما يبدو !!" (2).
إن البناء العميق الذي تنهض عليه مزاغل الخوف هو كشف هذا الوجه البشع للسلطة وتمركزها كحمولة إيديولوجية تؤسس بقيم الترهيب والتعسف وديكتاتورية بشعة أوجه آلية مغيبة لا أوجه المواطنة ، إن العمق التخييلي لرواية مزاغل الخوف مادة حية ، مميزة في متغيرها كبنية ونسق ، وكحمولة معرفية تؤسس مفارقات الدلالة والمعنى عبر اللعب على توظيف أرض عبارة عن وطن مصغر هو حي التنك ، وهي وحدة تتفرع منها وحدات فرعية حكائية لشخوص تواجه الخوف.. الخوف فقط ، وهو المجسم الوحيد الأساسي للدلالة .
وبعيدا عن هذا الفعل الحفري ، يتجه نص مزاغل الخوف في اتجاه استكمال مشروع روائي بدأ برواية الفصيل الثالث ، ، ولا زال يبني أفقه الروائي ، ويقدم هذا المتن حمولات كافية لإعادة قراءة راهن العراق ليس كجغرافية ولا كأيديولوجية ولا كشعارات سياسية ، إذ ثمة احتفاء بالعمق الإنساني الثاوي في خلفية التناول السردي للمحكي وثمة بنية عميقة مضمرة تحفر عميقا لتولد نصوصا تفضح الوجه البشع للسلطة لكنها سلطة فكرية أساسا بحمولاتها التي تتفرع من السياسي إلى الإنساني .
رواية مزاغل الخوف رواية تعيد سؤال الوعي بسيرة كتابة الحظر والمنع ، وهي إحدى أشكال كتابات المنفى في صياغاتها الإشكالية ، لتؤسس بوعي جديد أفق يتداخل التخييلي فيه على المستوى الحكائي بتأويل الاستعادة والاسترجاع ، ولعل خصوبة النص النقدي في استجلاء وعي الكتابة ، وتشريح للمادة الحكائية كفيل بتقديم معالم هذا الحس التخييلي المؤطر لشعرية الخوف.
الهوامش:
(1) جاسم الرصيف : روائي عراقي يقيم في أمريكا ، صدر له
- ( الفصيل الثالث ) 1983 من جزأين .
- ( القعر ) 1985 من جزأين في مجلّد واحد
- ( خطّ أحمر ) 1987 ، أعيد طبعها 2000
- ( حجابات الجحيم ) 1988 ، طبعة ثانية 2000
- ( أبجدية الموت حبّاً ) 1990 ، طبعة ثانية 2000
- ( تراتيل ألوأد ) 1992 ، طبعة ثانية 2000 ، طبعة ثالثة2004
- ( ثلاثاء ألأحزان السعيدة ) 2000 ، طبعة ثانية 2004
2 ) " أفق" / متابعات
منابع الخوف عند جاسم الرصيف ... شوقي عبد الحميد يحيى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ناقد ــ مصر
ـــــــــــــــــــــــ
الكاتب هو مرآة عصره ، لكنه ليس مرآة عاكسة لما هو على السطح ، ولكنها مرآة تصدر أشعة تخترق ما فوق السطح لتعكس ما ليس بواضح للآخرين ، لذا فقد يتحدث الكاتب عن أشياء ، وربما كان يعني أشياء أبعد منها ، فعندما أراد تولستوي أن يقدم ويلات الحرب ، قدم عملا لم يتحدث عن الحرب مباشرة ، بل لم يذكر الحرب – تقريبا – بشكل مباشر على طول الرواية الرائدة "الحرب والسلام" ،
وعندما أراد نجيب محفوظ أن ينبه إلى ما يعيشه الشعب المصري تحت السطح قبيل كارثة يونيو 67 ، قدم "الطريق" وقدم "ثرثرة فوق النيل" ، وبعد أن وقعت الكارثة قدم "ميرامار" و "الكرنك" وغيرها ، كذلك قدم بهاء طاهر في "قالت ضحى" و "شرق النخيل" ، وغير ذلك من الأعمال التي تناولت ما جرى وأسباب ما جرى في يونيو 67 . (1)
وما أشبه الليلة بالبارحة وكأننا نحن العرب لا نعي أي درس ، فثلما كل العصور تبدأ بالحاكم وتنتهي بنهايته ليبدأ عصر جديد ، تمر بنا الخيبات ونتناساها لتقع خيبات أخرى حتى ولو أشد إيلاما . فما أشبه ما حدث في يونيو بما حدث في العراق حينما احتل الكويت وفتح بيبان النيران على ليس العراق فحسب وإنما على الأمة العربية كلها ، ولتنطفئ مصابيح النفط على العرب جميعا ، وليظهر في العراق نجيب محفوظ وليظهر بهاء طاهر وليظهر جاسم الرصيف وليقدم لنا "مزاغل الخوف" والتي ينهي رحلتها الطويلة بمفتاح الولوج إلى عالمها الرحب حين يقرر :-
[ .. ثم دوت "متأخرة جداً" نيران رجال الحمايات والمرافقين نحو "مزبلة الشيطان" وسط ذعر أكثر من أربعمائة رجل وعدد لا يحصى من الأطفال والشحاذين والحيوانات المشردة ، فانطفأت كل الفوانيس النفطية في "حي التنك" المقابل للقصر مساء "أول جمعة صادفت بعد احتلال الكويت" .. ] (2). ولتكون كما لحظة التنوير في القصة القصيرة التقليدية ، تضيء العمل وتكشف خباياه والمغلق من معانيه ، وعليه تكون قراءة العمل .
تقع أحداث الرواية في إحدى بقاع العراق ، بل في بؤرة من البؤر العشوائية فيها تلك التي يباح فيها كل شيء ، - وتذكرنا تلك البقعة بـ "حي الجاموس" في رواية الشاعرة المصرية سهير المصادفة – لذا فقد كان توفيقا من الكاتب في اختيار مثل ذلك الحي الذي يمكن من خلاله تقديم كل صنوف الانفلات الأخلاقي الذي أراده الكاتب تعبيرا عن الحالة العراقية التي أدت به في النهاية لانطفاء مصابيحه ، وضياع ليس أرضه واقتصاده فحسب ، وإنما تاريخه وحرية ناسه بالدرجة الأولي ، وأتاحت للكاتب أن يستخدم الجنس بطريقة مبررة لا مغالاة فيها ، الأمر الذي يثير التساؤل حول مصادرة الرواية في قطر عربي ، ولنتصفح الرواية علنا نستطيع دحض تلك المزاعم الساذجة .
تدور الرواية على مستوى السطح الأفقي لتقدم أكثر من رواية على لسان أكثر من راوي ، لكنها تتشابك جميعا لتقدم في النهاية رؤية كلية لانعكاسات الحكم الديكتاتوري ، وتتوحد الشخوص في نهاية الرواية وتتماهى في بعضها البعض ، فتتوحد شخصية "ستار عجقة" في تلك الشخصية المتحدثة تحت عنوان "أنا" ولنكتشف أنهما معا يشكلان الشعب العراقي "الموقوف" أو المعتقل في سجون الحكم الديكتاتوري العائم في تموجات الفساد ، وتتوحد شخصية نور الهدى – تلك التي كانت الطهر والعفة إلى أن اغتصبها ابن الجيران لتتحول بعده إلى "ونسه خباثة" – وواضح بالطبع المفارقة بين الاسمين والدلالة التي يؤديها كل منهما – بل يعمد الكاتب إلى تمويه اسمها وعدم تحديده بين نور الهدى و ونسه خباثة وسحر ليؤكد أنها ليست شخصية حقيقية ولتصبح الرواية رواية رمزية تشير فيها وإنما هي العراق ذاته ذلك الذي كان ...... ، ثم أصبح مستباحا منتهكا من الجميع ، "ولم يعد لأبوابه من ضرورة" ولتنضم "مزاغل الخوف" في العراق إلى أخواتها من الروايات الرمزية التي سادت في مصر فترة الستينيات وما جرى فيها .
وعلى الرغم من أنه حكم فردي بالدرجة الأولي ، إلا أن مجموعات عديدة تتولى ممارسة النهب والتسلط والفساد والقهر على باقي أفراد الشعب ، فهناك أولا السلطة الرئاسية ، تلك التي لها اليد العليا ، الغائبة الحاضرة ، وكأنها الجبلاوي في رائعة نجيب محفوظ الروائية "أولاد حارتنا" ، فالسيد الرئيس هو الحاضر الغائب ، فعلى الرغم من عدم ظهوره مطلقا طوال مسيرة الرواية ، إلا أنه متلسط على أفعال كل شخوصها ، سواء بالخوف والتبجيل ، أو بالكره والرفض لأفعاله التي دفعت البلاد للعيش في حروب مستمرة – ونذكر بأن وقائع الرواية تقع في الفترة بين حربي الخليج ، الحرب مع إيران واحتلال الكويت وما أدت إليه من تدمير كامل للعراق ، الأمر الذي جعل السجن هو الأمان :-
[ .. لم أر المعركة لأنني كنت في سجن "المقر الخلفي" البعيد إلى حد ما ، عن جبهة القتال "جنة الحرب" هكذا يسمونه الذين أدمنوا الذهاب إلى السجن لنيل بعض الأمان والراحة .. ] (3) فإذا كانت تلك هي الرؤية لما يدور بالبلاد على الصعيد الخارجي ، فإنها لم تكن بأفضل من ذلك عليه في الداخل حيث يظل السيد الرئيس متسلطا بقوة رغم عدم ظهوره ، وليظل
[ .. من السهولة أن يشتم المرء الله في مركز المدينة ، "باب الطوق" المزدحم أبدا بالمارة ، دون أن يمسخه الله قردا على الفور أو يرسل إليه صاعقة تفحمه ، ولكن أي امرئ يمس قدسية مالك الجهات الأربع "غمام البين" يعدم لا محالة ، بتهمة "الخيانة" ] (4).
ثم يعبر جاسم الرصيف عن ذلك التسلط والتصنت الذي هو سمة أساسية في الحكم الديكتاتوري بإسلوب ساخر معبر في : -
[ .. ولم يستغرب أحد سرعة رد الفعل لأن الجميع كانوا على يقين أن "الحيطان" كل الحيطان ، حتى غرف النوم لها آذان ، وأن الأسرة ، والنوافذ ، والطيور ، ودود الأرض ، وغيره ينصت لصالح "ملك الجهات الأربع" في البلد ، بإخلاص وطني لا نظير له !! ويسعى مخلصا لتمليكه الجهة الخامسة طبعا السماء .. ] (5)
وهناك كذلك ممن يمارسون التعدي والقهر على الشعب ، أفراد الحزب ، والمخابرات والمختارون وغيرهم ، كل يعمل في واد لحسابه وكل يخون كل ، حتى اختلطت الأمور وتنوعت مصادر الفساد والإفساد ، فأصبح [ .. لا أحد يدري !! ولا أحد يستطيع الإجابة عن ذلك السؤال العجيب : من يخون من ؟ ! ومن يسرق من ؟! من يخاف من ؟!!] (6). وقد أدت هذه الممارسات إلى ألوان من العذاب النفسي على البشر استطاع جاسم الرصيف أن يعبر عنها بصدق يحسب له . فنرى "أنا" – وهو أحد الضمائر في الرواية عندما يساق إلى "الوقف" – الاعتقال – دون جريرة يعلمها ودون محاكمة – وهو يظن أنه لا بد هناك خطأ ما ، وأنهم لابد سيكتشفون ذلك بين لحظة وأخرى ، ينظر الراوي إلى الموقفين حين يقدم إليهم ما يسمى بالغذاء ، يتصيد بعضهم حبة أرز تكون قد تساقطت على الأرض ، ويعتري الراوي الدهشة حينما يرى ذلك في أحد بلاد النفط :
[ .. فانتبهت لأول مرة في حياتي إلى قيمة "حبة أرز مسلوقة" مجرد حبة !! يحتاجها إنسان حقا ليعالج جوعه . فانتابني مزيج من مشاعر ، ما شعرت بمثلها من قبل ، بين النقلة التي يكتشفها المرء نفسه فجأة عندما يكتشف حبة أرز لها قيمة في هذه الحياة ، وبين الجوع الذي أراه في بلد يعوم على النفط يشبع عشرات الملايين ، وصدمتني لا مكانية هذا المكان ، وربما حتى لا سببية الإقامة فيه عندما يفكر الإنسان حقا أنه إنسان .. ] (7).
وأراني مسوق نحو تقديم تلك الفقرة رغم طولها ، إلا أني أراها تقدم صورة مما استطاع جاسم الرصيف تجسيده من مظاهر التعذيب والقهر النفسي والبدني ، ذلك الذي أراه يعنيه بالدرجة الأولي من عمله الجميل ، والتي يراها ، وأراها بؤرة (منابع الخوف) المبرر نفسيا وفنيا حينما يواصل "أنا" شهادته للتاريخ وللأيام وللأجيال عما رآه وعاناه في محبسه غير المبرر :
[ .. ولكنني شعرت بالضربة بين فخذي ، تفجر في جسدي ألم ما شعرت بمثله طوال حياتي ، تعمد أن يضربني على خصيتي !! لم أتوقع الضربة . حاولت يداي الفرار من قيدهما خلف ظهري وأنا أتهاوى على الأرض ، تلويت على نفسي وأنا أكتم أقسى "آه" عرفها فمي . وتوقعت ضربة أخرى ، تمددت على الأرض . تكورت على نفسي كما تفعل القنافذ حين تحمي نفسها ، كما الأجنة في بطون أمهاتها ، فيما كان هذا يسألني ببرود :- نعم أم لا ؟ فتظاهرت بالإغماء . إن أجبت نعم فإنه قد يربطني بجرة قلم واحدة بأخطر متآمر على السيد الرئيس "حفظه الله" ....
ولأنني تأخرت في الإجابة تلقيت ركلة أخرى على مؤخرتي ، لم تثر في جسدي ألما مثل ألم الضربة الأولى ، مع أنها موجعة !! ، فتمنيت أن تكون الضربة الثالثة على نفس المكان ، فأجبت من بين أسناني التي ما زالت ، ويا فرط دهشتي !! تعض الحبل : نعم ولا !! وأرجوك دعني أشرح ذلك ، أرجوك سيدي ، وأكدت حروف "سيدي" ، عندئذ شعرت بخط من النار يكوي فخذي ومؤخرتي ، وبخط آخر يكوي جبهتي وزندي ، وثالث يصعق ظهري . كان يضربني "بالكيبل" . كانت النيران تشتعل في جسدي كله ، وكنت أسعى بجنون لحماية رأسي من الضربات ، تركت له أعضائي كلها ليضربها كما يشاء وهو يردد إجابتي ساخرا : نعم لا ، نعم لا ، ويكرر الضرب عند نعم على حدة ولا على حدة يا ابن الكلب تريد أن تلعب ؟ ! العب ، نعم لا ، نعم لا ، ولم يعثر لساني في تلك اللحظات على غير كلمة واحدة أصرخها : الله الله !! تأخذ معها بعضا من الألم الرهيب الذي يتآكل جسدي ....... ] (8) .
فهنا نجد المرارة والألم يعتصران الإنسان ، إضافة إلى الشعور بالمهانة والظلم ، وعندما يعتصر الإنسان الألم ، يكون الموت أصعب الأماني ، وعندما يستبد به الظلم ، لا يجد إلا الدعاء ، وعندما يصبح الدعاء غير مستجاب ، قد ينزلق الإنسان الضعيف نحو ما قد يخرجه عن المألوف ، وهذا ما فعله جاسم الرصيف عندما سحق الإنسان تحت وطأة وجبروت الظلم ضاع منه الإنسان وضاعت منه القيم والأخلاق المتعارف عليها ، فكان الخروج – عند الشخوص – على بعض المسلمات المقدسة وكان ما قد يبدو إغراق في الجنس والإباحية ، بينما العمل لا يمت إلى ذلك بصلة ، لكنه الصدق الفني ، والصدق الموضوعي ، والتي لو استطردنا في الاستشهادات من واقع العمل ذاته لتبيان كيف استطاع جاسم الرصيف أن يحدث الأثر النفسي الضاغط ليولد فينا الثورة على تلك الأوضاع ، لتضخم حجم هذه القراءة ، ولكننا نستطيع القول بارتياح أن الرواية استطاعت أن تتعامل مع الإحساس والوجدان ، بعيدا عن أي خطابية ممجوجة ، أو تقريرية تخرج بالفن عن وسائله .
وعلي الرغم من سير الرواية بطريقة أفقية ، ودورانها حول حالة محددة ، الأمر الذي قد يوحي ألا تصاعد فيها ، إلا أن جاسم الرصيف تغلب على ذلك بمحاولة خلق المقابلة أو المفارقة التي تساعد في خلق الإحساس بالحركة و التي تنعكس بالتالي على القارئ في مثل تلك الحالة التي خلقتها "مي حركات" بتهيئتها لـ "ونسه خباثة" وإعادتها عذراء بطريقة صناعية لتقدمها لرأس كبير جدا ، وامتناع ونسه عن تسليم نفسها لمن أتاها حتى لو كان "ستار" نفسه مؤجلة ذلك لما بعد الليلة الموعودة مع ذلك الرأس الكبير جدا الذي يريد بكرا ، بعد أن ظلت – كما يمكن أن يقال (تعلفها) وكأنها خروف يهيأ ليوم الذبح – وبعد كل تلك التجهيزات والاستعدادات ، يأتي الرأس الكبير جدا ، وبعد أن (ريل) لمرآها ، كان أول ما طلبه منها – بعد أن استلقي على بطنه أن (إبعصيني) . فالصورة على بشاعتها وانحطاطها ، إلا أنها تقدم تلك المفارقة بين من يذلون شعبا بأكمله ، ومن تهتز الأبدان لسماع اسمه ، ومن رسمت حوله الهالات في حالة الخارج ، وبين تلك الصورة الوضيعة التي هو عليها في أدق خصوصياته فكانت الصورة معبرة خير تعبير ، خاصة أنها جاءت مركزة موجزة ، على غير ما سنرى فيما بعد . يضاف إليها كذلك صور زوجات الشيخ بعيو ذلك الذي يعد أكبر رأس في تلك المنطقة ، وأحد رجال السلطة فيها ، وما رسمه الكاتب حوله من قدرات وإمكانيات ، ثم نتبين ذهاب "الشيخة الصغيرة" إلى "معيط" أحد رجال الشيخ بعيو وابن أخيه في نفس الآن ، متسللة لتزيد الصورة انحدارا وتدهورا ، ثم الشيخة الكبيرة تذهب أيضا إلى "ستار عجقة" لتفعل نفس الفعلة – غير أنها لم تكن على نفس المستوى من الصدق الفني الذي كانت عليه فعلة الشيخة الصغيرة – ولتعلو نبرة السؤال المحير من جديد "من يخون من؟ ومن يسرق من؟" وليتعاظم الاضطراب والتخبط الذي أراد جاسم الرصيف تصويره .
كذلك مما يحسب للكاتب تغلبه على طول العمل بتقنية التقطيع لروايات الشخوص المتتابعة السريعة والتي استخدم فيها تقنية الإخراج التليفزيوني الذي ما أن يصل برواية واحد من الشخوص إلى نقطة تنقطع عندها الأنفاس ترقبا وانتظارا ، حتى يتعمد التوقف عندها والانتقال إلى رواية شخصية أخرى ، مما جعل القارئ يظل يلهث وراء العمل – رغم طوله النسبي – حتى النهاية .
إلا أن ذلك – الطول النسبي – لم يسلم من بعض ما يؤخذ على الكاتب مثل :
تعرضت ونسه لعملية اغتصاب وحشية ، ترددت فيها كلمة "يا هلا ونسه" ، وبعدها وبينما هي جالسة في حجرتها كان هذا المشهد :
[ .. وعلى أضواء البطاريات التي كانت تتقاطع بكثرة في ظلام الغرفة ، شاهدت ضابطا وبصحبته "المختار" الذي كان يحدق ببله صريح في وجهها قبل أن يقول بفرح : ونسه ؟؟!! يا هلا بونسه !! . فشعرت أنها تفقد الوعي ..... ] (9) ، ولو توقف الكاتب عند هذا لترك للقارئ مساحة للتصور والتخيل ، والربط الذي لابد سيجعله يسترجع واقعة الاغتصاب التي ارتبطت بتلك الجملة ، إلا أن الكاتب استطرد [ .. بعد سماع تلك الجملة التي ذكرتها بما جرى لها في "مزبلة الشيطان" قبل فترة .
كذلك لم تكن مبررة تلك الواقعة التي تم فيها استدعاء "الشيخ بعيو" من قبل أولئك السادة لإذاقته بعضا من التعنيف والكشف لأفعاله التي يظن أنها خافية ، دون سابق تمهيد أو لاحق تأثير ، فجاءت كالبيت الوقف في منطقة عراء – حتى لو كان الكاتب يرمي من ورائها دخول هؤلاء السادة معه في القسمة غير أن ذلك لم يكن فنيا على الوجه المراد .
كذلك إحساس الشيخ بعيو – أيضا – بالرغبة الجنسية في مكتب السيد مدير مكتب السيد الرئيس ، لم يكن ذلك أيضا مبررا فنيا ولا منطقيا ، حيث لم يكن الشيخ يعاني أي تقصير في أداء مهامه في ذلك الجانب ، إلا انسياق الكاتب وراء الرغبة في زيادة قتامة الصورة .
وعلي الرغم من كل شيء ، تظل "مزاغل الخوف" علامة روائية في أدب المقاومة ، مقومة الظلم ، مقاومة الديكتاتورية ، مقاومة الفساد ، وصرخة قد توقظ العالم العربي من ثباته ، وبرغم أنها صرخة ، فإن بها من دفء الإبداع وحرارة الفن ما يمكن أن يذيب الجليد المتجمد في مجتمعاتنا العربية .
هوامش :
1- يراجع كتاب " يونيو 67 وأثره في الرواية المصرية – الهيئة المصرية العامة للكتاب لكاتب هذه السطور .
2- مزاغل الخوف . جاسم الرصيف المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة الأولي 2004 - ص 315
3- ص 20
4- ص 17
5- ص 11
6- ص 309
7- ص 58
8- ص 255
9- ص 214
- شوقي عبد الحميد يحيى
shawkyshawky2004@yahoo.com
ـJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJ
رواية ممنوعة بشعرية الخوف ... عبد الحق ميفراني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ناقد ــ المغرب
ـــــــــــــــــــــــ
صدر للروائي العراقي جاسم الرصيف (مقيم في أمريكا) رواية بعنوان "مزاغل الخوف" في طبعة أولى عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، وتأتي هذه الرواية التي تقع في 358 صفحة لتتم مشروع جاسم الرصيف الروائي الذي بدأ بروايته "الفصيل الثالث" (1)
" رواية مزاغل الخوف هي عن أرض "خارجة عن القانون" في واقع الحال العراقي في الفترة المحصورة بين نهاية حرب الخليج الأولى 1980 -1988 وحرب الخليج الثانية 1991، وبشر مطارد في زمن يتناهبه القراد، عن وطن "يمشي على قدمين متعاديتين" .
بهذا التذييل يقدم الروائي جاسم الرصيف روايته مزاغل الخوف وهي عتبة دالة لولوج نص روائي ظل كاتبه وفيا في تنظيم بنائه بشكل تتوازى فيه أصوات السارد المتعددة والتي تحكي عن وطن مأساوي الملمح والرؤية ، من خلال وجه مصغر للوطن وهو هنا : الثالولة، حي التنك ، بتاريخ "يشبه رمالا صحراوية ، جافة ، ساخنة .. فلا أحد في الثالولة قادرا على وقف لعنة الكوارث" خصوصا في أرض "خارجة عن القانون" وفي هذه الأرض ، تقدم "مزاغل الخوف" مشهدا سورياليا لمأساة وطن ، تصل إباحيته المرة لدرجة التعفن ، وهي سير لوحدات مجتمعة ، تبني لشخوصها بعدا تنكشف مراتبه في تدرج خطي يتنامى ، فشخصية ستار عجقة ، وونسة خباثة، والشيخ بعيو وآخرون شخوص يعمقون بمحكياتهم لعبة الدوال في مزاغل الخوف بشكل نجد فيه أنفسنا أمام نص روائي يحتمل نصوصا موازية داخله ، إذ ثمة تنظيم واعي للعبة الحكي في الرواية ، وحضور عناوين معزولة لا تربط سارد/1 بسارد/2 تجعل من هذه التقنية التي وظفها جاسم الرصيف في رواياته السابقة نمطا خاصا بكتابات الروائي ، وخصوصية روائية انشطارية عن نص روائي حاضر بقوة.
إن العالم التخييلي الذي يقترحه نص مزاغل الخوف يولد أفعالا روائية تنتظم في انشطارها إلى حكايات تنمو بتوازي وصولا إلى انذغامها الكلي في حكاية واحدة هي الأساس لنحصل على ترسيمة تالية :
الثالولة ، حي التنك : حكاية ستار عجقة + حكاية ونسة خباثة + حكاية أنا + حكاية الشيخ بعيو..
تنتهي الرواية بجملة سردية أساسية : "انطفأت كل الفوانيس النفطية في حي التنك المقابل للقصر مساء "أول" جمعة صادفت احتلال الكويت" ، إن هذه الإشارة السردية هي بنية ينهض على خلفايتها النص الروائي ككل ، إذ يقدم السارد عمله الروائي وفق تزاوج العديد من البنيات الحكائية الصغرى والتي تقدم المشهد العراقي في مأساويته لحظة بلحظة في أرض تدخل وتخرج في حروب متوالية ، فأساس هذا العالم الغني الواسع الدلالات والمشبع بلغة جنسية تتوالد بقوة .
وكرواية السؤال لغالب هلسا تخفي اللغة الجنسية التي تصل إلى حدود إيروتيكية فاضحة ، وضع الاستيلاب والقمع الممارس على أجساد شخوص تخفي خلال هذا الكبت ، والممارسات الفاضحة جزء من وسخ الواقع المر ، الذين يعيشونه ، أما الروائي جاسم الرصيف فيقدم تصورا مختلفا إذ يفضح عراء عالم في تحرره السري والفاضح وحتى اللحظات التي يعلن فيها السارد الإله مستويات هذا التخييل والذي نراه خصوصية في أعمال جاسم الرصيف ، إذ أن اللغة الجنسية والمقاطع السريرية المطروحة هكذا في تناسق دلالي واضح هي جزء من عالم نفسي لنص موازي يتوافق مع بنية العمل الروائي ، فمزاغل الخوف هي صرخة مباشرة لفضح هذه ت تمارس عاداتها السرية دون الرغبة في التصريح، ولعل إصرار السلطات الأردنية على مصادرة الرواية بعذر أنها "إباحية" تطرح أكثر من سؤال لأن عمقها راجع لهذا الأساس ، أكثر من ثيمتها "محاولة اغتيال حقيقية جرت ضد صدام حسين أثناء احتفالات عيد الجيش العراقي في 6 كانون الثاني 1991 والتي حضرها الملك حسين وحسني مبارك وعلي عبدالله صالح ، إذ خطّط قائد العملية النقيب سطم الجبوري من أهالي قضاء الشرقاط / جنوب الموصل مع جماعته لتغيير أربعة أنظمة عربية في آن وذلك بنسف منصّة الإستعراض بمن فيها ، ولكن محاولته انكشفت في اللحظات الأخيرة قبل تنفيذها فأعدم المذكور مع جماعته ومنهم القاص والروائي حسن مطلك / كاتب رواية ( دابادا ) والحكم بالسجن المؤبد على القاص المعروف محمود جنداري ، الذي توفي بعد أسابيع من إطلاق سراحه بموجب عفو عام عن السجناء السياسيين !! وعلى هامش هذه المحاولة تم طرد أعداد كبيرة جدّاً من أبناء العشيرة التي ينتمي إليها النقيب سطم الجبوري ، ووضع المشتبه في ولائهم تحت المراقبة ومنهم الشخصية الرئيسية في الرواية الذي اعتقل بعد ذلك ونال أصنافا شتى من التعذيب !! وفي سياق السرد ورد وصف لتشبث صدام حسين بالانتماء إلى (سادة العرب) من (بني هاشم) وهذا ما أغاض السلطات الأردنية كما يبدو !!" (2).
إن البناء العميق الذي تنهض عليه مزاغل الخوف هو كشف هذا الوجه البشع للسلطة وتمركزها كحمولة إيديولوجية تؤسس بقيم الترهيب والتعسف وديكتاتورية بشعة أوجه آلية مغيبة لا أوجه المواطنة ، إن العمق التخييلي لرواية مزاغل الخوف مادة حية ، مميزة في متغيرها كبنية ونسق ، وكحمولة معرفية تؤسس مفارقات الدلالة والمعنى عبر اللعب على توظيف أرض عبارة عن وطن مصغر هو حي التنك ، وهي وحدة تتفرع منها وحدات فرعية حكائية لشخوص تواجه الخوف.. الخوف فقط ، وهو المجسم الوحيد الأساسي للدلالة .
وبعيدا عن هذا الفعل الحفري ، يتجه نص مزاغل الخوف في اتجاه استكمال مشروع روائي بدأ برواية الفصيل الثالث ، ، ولا زال يبني أفقه الروائي ، ويقدم هذا المتن حمولات كافية لإعادة قراءة راهن العراق ليس كجغرافية ولا كأيديولوجية ولا كشعارات سياسية ، إذ ثمة احتفاء بالعمق الإنساني الثاوي في خلفية التناول السردي للمحكي وثمة بنية عميقة مضمرة تحفر عميقا لتولد نصوصا تفضح الوجه البشع للسلطة لكنها سلطة فكرية أساسا بحمولاتها التي تتفرع من السياسي إلى الإنساني .
رواية مزاغل الخوف رواية تعيد سؤال الوعي بسيرة كتابة الحظر والمنع ، وهي إحدى أشكال كتابات المنفى في صياغاتها الإشكالية ، لتؤسس بوعي جديد أفق يتداخل التخييلي فيه على المستوى الحكائي بتأويل الاستعادة والاسترجاع ، ولعل خصوبة النص النقدي في استجلاء وعي الكتابة ، وتشريح للمادة الحكائية كفيل بتقديم معالم هذا الحس التخييلي المؤطر لشعرية الخوف.
الهوامش:
(1) جاسم الرصيف : روائي عراقي يقيم في أمريكا ، صدر له
- ( الفصيل الثالث ) 1983 من جزأين .
- ( القعر ) 1985 من جزأين في مجلّد واحد
- ( خطّ أحمر ) 1987 ، أعيد طبعها 2000
- ( حجابات الجحيم ) 1988 ، طبعة ثانية 2000
- ( أبجدية الموت حبّاً ) 1990 ، طبعة ثانية 2000
- ( تراتيل ألوأد ) 1992 ، طبعة ثانية 2000 ، طبعة ثالثة2004
- ( ثلاثاء ألأحزان السعيدة ) 2000 ، طبعة ثانية 2004
2 ) " أفق" / متابعات


0 Comments:
Post a Comment
Links to this post:
Create a Link
<< Home