الروائي العراقي جاسم الرصيف

سيرة ذاتية للروائي العراقي جاسم الرصيف وأعماله الروائية المنشورة مع بعض المقالات .

Friday, October 07, 2005

منابع الخوف : جاسم الرصيف في مزاغله الجديدة: شوقي عبد الحميد - مصر

الإباحية السياسية والثقافية والفكرية في مجتمعات ظل
منابع الخوف عند جاسم الرصيف ... شوقي عبد الحميد يحيى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ناقد ــ مصر
ـــــــــــــــــــــــ

الكاتب هو مرآة عصره ، لكنه ليس مرآة عاكسة لما هو على السطح ، ولكنها مرآة تصدر أشعة تخترق ما فوق السطح لتعكس ما ليس بواضح للآخرين ، لذا فقد يتحدث الكاتب عن أشياء ، وربما كان يعني أشياء أبعد منها ، فعندما أراد تولستوي أن يقدم ويلات الحرب ، قدم عملا لم يتحدث عن الحرب مباشرة ، بل لم يذكر الحرب – تقريبا – بشكل مباشر على طول الرواية الرائدة "الحرب والسلام" ،

وعندما أراد نجيب محفوظ أن ينبه إلى ما يعيشه الشعب المصري تحت السطح قبيل كارثة يونيو 67 ، قدم "الطريق" وقدم "ثرثرة فوق النيل" ، وبعد أن وقعت الكارثة قدم "ميرامار" و "الكرنك" وغيرها ، كذلك قدم بهاء طاهر في "قالت ضحى" و "شرق النخيل" ، وغير ذلك من الأعمال التي تناولت ما جرى وأسباب ما جرى في يونيو 67 . (1)

وما أشبه الليلة بالبارحة وكأننا نحن العرب لا نعي أي درس ، فثلما كل العصور تبدأ بالحاكم وتنتهي بنهايته ليبدأ عصر جديد ، تمر بنا الخيبات ونتناساها لتقع خيبات أخرى حتى ولو أشد إيلاما . فما أشبه ما حدث في يونيو بما حدث في العراق حينما احتل الكويت وفتح بيبان النيران على ليس العراق فحسب وإنما على الأمة العربية كلها ، ولتنطفئ مصابيح النفط على العرب جميعا ، وليظهر في العراق نجيب محفوظ وليظهر بهاء طاهر وليظهر جاسم الرصيف وليقدم لنا "مزاغل الخوف" والتي ينهي رحلتها الطويلة بمفتاح الولوج إلى عالمها الرحب حين يقرر :-
[ .. ثم دوت "متأخرة جداً" نيران رجال الحمايات والمرافقين نحو "مزبلة الشيطان" وسط ذعر أكثر من أربعمائة رجل وعدد لا يحصى من الأطفال والشحاذين والحيوانات المشردة ، فانطفأت كل الفوانيس النفطية في "حي التنك" المقابل للقصر مساء "أول جمعة صادفت بعد احتلال الكويت" .. ] (2). ولتكون كما لحظة التنوير في القصة القصيرة التقليدية ، تضيء العمل وتكشف خباياه والمغلق من معانيه ، وعليه تكون قراءة العمل .

تقع أحداث الرواية في إحدى بقاع العراق ، بل في بؤرة من البؤر العشوائية فيها تلك التي يباح فيها كل شيء ، - وتذكرنا تلك البقعة بـ "حي الجاموس" في رواية الشاعرة المصرية سهير المصادفة – لذا فقد كان توفيقا من الكاتب في اختيار مثل ذلك الحي الذي يمكن من خلاله تقديم كل صنوف الانفلات الأخلاقي الذي أراده الكاتب تعبيرا عن الحالة العراقية التي أدت به في النهاية لانطفاء مصابيحه ، وضياع ليس أرضه واقتصاده فحسب ، وإنما تاريخه وحرية ناسه بالدرجة الأولي ، وأتاحت للكاتب أن يستخدم الجنس بطريقة مبررة لا مغالاة فيها ، الأمر الذي يثير التساؤل حول مصادرة الرواية في قطر عربي ، ولنتصفح الرواية علنا نستطيع دحض تلك المزاعم الساذجة .

تدور الرواية على مستوى السطح الأفقي لتقدم أكثر من رواية على لسان أكثر من راوي ، لكنها تتشابك جميعا لتقدم في النهاية رؤية كلية لانعكاسات الحكم الديكتاتوري ، وتتوحد الشخوص في نهاية الرواية وتتماهى في بعضها البعض ، فتتوحد شخصية "ستار عجقة" في تلك الشخصية المتحدثة تحت عنوان "أنا" ولنكتشف أنهما معا يشكلان الشعب العراقي "الموقوف" أو المعتقل في سجون الحكم الديكتاتوري العائم في تموجات الفساد ، وتتوحد شخصية نور الهدى – تلك التي كانت الطهر والعفة إلى أن اغتصبها ابن الجيران لتتحول بعده إلى "ونسه خباثة" – وواضح بالطبع المفارقة بين الاسمين والدلالة التي يؤديها كل منهما – بل يعمد الكاتب إلى تمويه اسمها وعدم تحديده بين نور الهدى و ونسه خباثة وسحر ليؤكد أنها ليست شخصية حقيقية ولتصبح الرواية رواية رمزية تشير فيها وإنما هي العراق ذاته ذلك الذي كان ...... ، ثم أصبح مستباحا منتهكا من الجميع ، "ولم يعد لأبوابه من ضرورة" ولتنضم "مزاغل الخوف" في العراق إلى أخواتها من الروايات الرمزية التي سادت في مصر فترة الستينيات وما جرى فيها .

وعلى الرغم من أنه حكم فردي بالدرجة الأولي ، إلا أن مجموعات عديدة تتولى ممارسة النهب والتسلط والفساد والقهر على باقي أفراد الشعب ، فهناك أولا السلطة الرئاسية ، تلك التي لها اليد العليا ، الغائبة الحاضرة ، وكأنها الجبلاوي في رائعة نجيب محفوظ الروائية "أولاد حارتنا" ، فالسيد الرئيس هو الحاضر الغائب ، فعلى الرغم من عدم ظهوره مطلقا طوال مسيرة الرواية ، إلا أنه متلسط على أفعال كل شخوصها ، سواء بالخوف والتبجيل ، أو بالكره والرفض لأفعاله التي دفعت البلاد للعيش في حروب مستمرة – ونذكر بأن وقائع الرواية تقع في الفترة بين حربي الخليج ، الحرب مع إيران واحتلال الكويت وما أدت إليه من تدمير كامل للعراق ، الأمر الذي جعل السجن هو الأمان :-
[ .. لم أر المعركة لأنني كنت في سجن "المقر الخلفي" البعيد إلى حد ما ، عن جبهة القتال "جنة الحرب" هكذا يسمونه الذين أدمنوا الذهاب إلى السجن لنيل بعض الأمان والراحة .. ] (3) فإذا كانت تلك هي الرؤية لما يدور بالبلاد على الصعيد الخارجي ، فإنها لم تكن بأفضل من ذلك عليه في الداخل حيث يظل السيد الرئيس متسلطا بقوة رغم عدم ظهوره ، وليظل
[ .. من السهولة أن يشتم المرء الله في مركز المدينة ، "باب الطوق" المزدحم أبدا بالمارة ، دون أن يمسخه الله قردا على الفور أو يرسل إليه صاعقة تفحمه ، ولكن أي امرئ يمس قدسية مالك الجهات الأربع "غمام البين" يعدم لا محالة ، بتهمة "الخيانة" ] (4).

ثم يعبر جاسم الرصيف عن ذلك التسلط والتصنت الذي هو سمة أساسية في الحكم الديكتاتوري بإسلوب ساخر معبر في : -
[ .. ولم يستغرب أحد سرعة رد الفعل لأن الجميع كانوا على يقين أن "الحيطان" كل الحيطان ، حتى غرف النوم لها آذان ، وأن الأسرة ، والنوافذ ، والطيور ، ودود الأرض ، وغيره ينصت لصالح "ملك الجهات الأربع" في البلد ، بإخلاص وطني لا نظير له !! ويسعى مخلصا لتمليكه الجهة الخامسة طبعا السماء .. ] (5)

وهناك كذلك ممن يمارسون التعدي والقهر على الشعب ، أفراد الحزب ، والمخابرات والمختارون وغيرهم ، كل يعمل في واد لحسابه وكل يخون كل ، حتى اختلطت الأمور وتنوعت مصادر الفساد والإفساد ، فأصبح [ .. لا أحد يدري !! ولا أحد يستطيع الإجابة عن ذلك السؤال العجيب : من يخون من ؟ ! ومن يسرق من ؟! من يخاف من ؟!!] (6). وقد أدت هذه الممارسات إلى ألوان من العذاب النفسي على البشر استطاع جاسم الرصيف أن يعبر عنها بصدق يحسب له . فنرى "أنا" – وهو أحد الضمائر في الرواية عندما يساق إلى "الوقف" – الاعتقال – دون جريرة يعلمها ودون محاكمة – وهو يظن أنه لا بد هناك خطأ ما ، وأنهم لابد سيكتشفون ذلك بين لحظة وأخرى ، ينظر الراوي إلى الموقفين حين يقدم إليهم ما يسمى بالغذاء ، يتصيد بعضهم حبة أرز تكون قد تساقطت على الأرض ، ويعتري الراوي الدهشة حينما يرى ذلك في أحد بلاد النفط :
[ .. فانتبهت لأول مرة في حياتي إلى قيمة "حبة أرز مسلوقة" مجرد حبة !! يحتاجها إنسان حقا ليعالج جوعه . فانتابني مزيج من مشاعر ، ما شعرت بمثلها من قبل ، بين النقلة التي يكتشفها المرء نفسه فجأة عندما يكتشف حبة أرز لها قيمة في هذه الحياة ، وبين الجوع الذي أراه في بلد يعوم على النفط يشبع عشرات الملايين ، وصدمتني لا مكانية هذا المكان ، وربما حتى لا سببية الإقامة فيه عندما يفكر الإنسان حقا أنه إنسان .. ] (7).

وأراني مسوق نحو تقديم تلك الفقرة رغم طولها ، إلا أني أراها تقدم صورة مما استطاع جاسم الرصيف تجسيده من مظاهر التعذيب والقهر النفسي والبدني ، ذلك الذي أراه يعنيه بالدرجة الأولي من عمله الجميل ، والتي يراها ، وأراها بؤرة (منابع الخوف) المبرر نفسيا وفنيا حينما يواصل "أنا" شهادته للتاريخ وللأيام وللأجيال عما رآه وعاناه في محبسه غير المبرر :
[ .. ولكنني شعرت بالضربة بين فخذي ، تفجر في جسدي ألم ما شعرت بمثله طوال حياتي ، تعمد أن يضربني على خصيتي !! لم أتوقع الضربة . حاولت يداي الفرار من قيدهما خلف ظهري وأنا أتهاوى على الأرض ، تلويت على نفسي وأنا أكتم أقسى "آه" عرفها فمي . وتوقعت ضربة أخرى ، تمددت على الأرض . تكورت على نفسي كما تفعل القنافذ حين تحمي نفسها ، كما الأجنة في بطون أمهاتها ، فيما كان هذا يسألني ببرود :- نعم أم لا ؟ فتظاهرت بالإغماء . إن أجبت نعم فإنه قد يربطني بجرة قلم واحدة بأخطر متآمر على السيد الرئيس "حفظه الله" ....
ولأنني تأخرت في الإجابة تلقيت ركلة أخرى على مؤخرتي ، لم تثر في جسدي ألما مثل ألم الضربة الأولى ، مع أنها موجعة !! ، فتمنيت أن تكون الضربة الثالثة على نفس المكان ، فأجبت من بين أسناني التي ما زالت ، ويا فرط دهشتي !! تعض الحبل : نعم ولا !! وأرجوك دعني أشرح ذلك ، أرجوك سيدي ، وأكدت حروف "سيدي" ، عندئذ شعرت بخط من النار يكوي فخذي ومؤخرتي ، وبخط آخر يكوي جبهتي وزندي ، وثالث يصعق ظهري . كان يضربني "بالكيبل" . كانت النيران تشتعل في جسدي كله ، وكنت أسعى بجنون لحماية رأسي من الضربات ، تركت له أعضائي كلها ليضربها كما يشاء وهو يردد إجابتي ساخرا : نعم لا ، نعم لا ، ويكرر الضرب عند نعم على حدة ولا على حدة يا ابن الكلب تريد أن تلعب ؟ ! العب ، نعم لا ، نعم لا ، ولم يعثر لساني في تلك اللحظات على غير كلمة واحدة أصرخها : الله الله !! تأخذ معها بعضا من الألم الرهيب الذي يتآكل جسدي ....... ] (8) .
فهنا نجد المرارة والألم يعتصران الإنسان ، إضافة إلى الشعور بالمهانة والظلم ، وعندما يعتصر الإنسان الألم ، يكون الموت أصعب الأماني ، وعندما يستبد به الظلم ، لا يجد إلا الدعاء ، وعندما يصبح الدعاء غير مستجاب ، قد ينزلق الإنسان الضعيف نحو ما قد يخرجه عن المألوف ، وهذا ما فعله جاسم الرصيف عندما سحق الإنسان تحت وطأة وجبروت الظلم ضاع منه الإنسان وضاعت منه القيم والأخلاق المتعارف عليها ، فكان الخروج – عند الشخوص – على بعض المسلمات المقدسة وكان ما قد يبدو إغراق في الجنس والإباحية ، بينما العمل لا يمت إلى ذلك بصلة ، لكنه الصدق الفني ، والصدق الموضوعي ، والتي لو استطردنا في الاستشهادات من واقع العمل ذاته لتبيان كيف استطاع جاسم الرصيف أن يحدث الأثر النفسي الضاغط ليولد فينا الثورة على تلك الأوضاع ، لتضخم حجم هذه القراءة ، ولكننا نستطيع القول بارتياح أن الرواية استطاعت أن تتعامل مع الإحساس والوجدان ، بعيدا عن أي خطابية ممجوجة ، أو تقريرية تخرج بالفن عن وسائله .

وعلي الرغم من سير الرواية بطريقة أفقية ، ودورانها حول حالة محددة ، الأمر الذي قد يوحي ألا تصاعد فيها ، إلا أن جاسم الرصيف تغلب على ذلك بمحاولة خلق المقابلة أو المفارقة التي تساعد في خلق الإحساس بالحركة و التي تنعكس بالتالي على القارئ في مثل تلك الحالة التي خلقتها "مي حركات" بتهيئتها لـ "ونسه خباثة" وإعادتها عذراء بطريقة صناعية لتقدمها لرأس كبير جدا ، وامتناع ونسه عن تسليم نفسها لمن أتاها حتى لو كان "ستار" نفسه مؤجلة ذلك لما بعد الليلة الموعودة مع ذلك الرأس الكبير جدا الذي يريد بكرا ، بعد أن ظلت – كما يمكن أن يقال (تعلفها) وكأنها خروف يهيأ ليوم الذبح – وبعد كل تلك التجهيزات والاستعدادات ، يأتي الرأس الكبير جدا ، وبعد أن (ريل) لمرآها ، كان أول ما طلبه منها – بعد أن استلقي على بطنه أن (إبعصيني) . فالصورة على بشاعتها وانحطاطها ، إلا أنها تقدم تلك المفارقة بين من يذلون شعبا بأكمله ، ومن تهتز الأبدان لسماع اسمه ، ومن رسمت حوله الهالات في حالة الخارج ، وبين تلك الصورة الوضيعة التي هو عليها في أدق خصوصياته فكانت الصورة معبرة خير تعبير ، خاصة أنها جاءت مركزة موجزة ، على غير ما سنرى فيما بعد . يضاف إليها كذلك صور زوجات الشيخ بعيو ذلك الذي يعد أكبر رأس في تلك المنطقة ، وأحد رجال السلطة فيها ، وما رسمه الكاتب حوله من قدرات وإمكانيات ، ثم نتبين ذهاب "الشيخة الصغيرة" إلى "معيط" أحد رجال الشيخ بعيو وابن أخيه في نفس الآن ، متسللة لتزيد الصورة انحدارا وتدهورا ، ثم الشيخة الكبيرة تذهب أيضا إلى "ستار عجقة" لتفعل نفس الفعلة – غير أنها لم تكن على نفس المستوى من الصدق الفني الذي كانت عليه فعلة الشيخة الصغيرة – ولتعلو نبرة السؤال المحير من جديد "من يخون من؟ ومن يسرق من؟" وليتعاظم الاضطراب والتخبط الذي أراد جاسم الرصيف تصويره .

كذلك مما يحسب للكاتب تغلبه على طول العمل بتقنية التقطيع لروايات الشخوص المتتابعة السريعة والتي استخدم فيها تقنية الإخراج التليفزيوني الذي ما أن يصل برواية واحد من الشخوص إلى نقطة تنقطع عندها الأنفاس ترقبا وانتظارا ، حتى يتعمد التوقف عندها والانتقال إلى رواية شخصية أخرى ، مما جعل القارئ يظل يلهث وراء العمل – رغم طوله النسبي – حتى النهاية .

إلا أن ذلك – الطول النسبي – لم يسلم من بعض ما يؤخذ على الكاتب مثل :
تعرضت ونسه لعملية اغتصاب وحشية ، ترددت فيها كلمة "يا هلا ونسه" ، وبعدها وبينما هي جالسة في حجرتها كان هذا المشهد :
[ .. وعلى أضواء البطاريات التي كانت تتقاطع بكثرة في ظلام الغرفة ، شاهدت ضابطا وبصحبته "المختار" الذي كان يحدق ببله صريح في وجهها قبل أن يقول بفرح : ونسه ؟؟!! يا هلا بونسه !! . فشعرت أنها تفقد الوعي ..... ] (9) ، ولو توقف الكاتب عند هذا لترك للقارئ مساحة للتصور والتخيل ، والربط الذي لابد سيجعله يسترجع واقعة الاغتصاب التي ارتبطت بتلك الجملة ، إلا أن الكاتب استطرد [ .. بعد سماع تلك الجملة التي ذكرتها بما جرى لها في "مزبلة الشيطان" قبل فترة .
كذلك لم تكن مبررة تلك الواقعة التي تم فيها استدعاء "الشيخ بعيو" من قبل أولئك السادة لإذاقته بعضا من التعنيف والكشف لأفعاله التي يظن أنها خافية ، دون سابق تمهيد أو لاحق تأثير ، فجاءت كالبيت الوقف في منطقة عراء – حتى لو كان الكاتب يرمي من ورائها دخول هؤلاء السادة معه في القسمة غير أن ذلك لم يكن فنيا على الوجه المراد .
كذلك إحساس الشيخ بعيو – أيضا – بالرغبة الجنسية في مكتب السيد مدير مكتب السيد الرئيس ، لم يكن ذلك أيضا مبررا فنيا ولا منطقيا ، حيث لم يكن الشيخ يعاني أي تقصير في أداء مهامه في ذلك الجانب ، إلا انسياق الكاتب وراء الرغبة في زيادة قتامة الصورة .

وعلي الرغم من كل شيء ، تظل "مزاغل الخوف" علامة روائية في أدب المقاومة ، مقومة الظلم ، مقاومة الديكتاتورية ، مقاومة الفساد ، وصرخة قد توقظ العالم العربي من ثباته ، وبرغم أنها صرخة ، فإن بها من دفء الإبداع وحرارة الفن ما يمكن أن يذيب الجليد المتجمد في مجتمعاتنا العربية .

هوامش :
1- يراجع كتاب " يونيو 67 وأثره في الرواية المصرية – الهيئة المصرية العامة للكتاب لكاتب هذه السطور .
2- مزاغل الخوف . جاسم الرصيف المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة الأولي 2004 - ص 315
3- ص 20
4- ص 17
5- ص 11
6- ص 309
7- ص 58
8- ص 255
9- ص 214

- شوقي عبد الحميد يحيى
shawkyshawky2004@yahoo.com



ـJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJ




رواية ممنوعة بشعرية الخوف ... عبد الحق ميفراني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ناقد ــ المغرب
ـــــــــــــــــــــــ

صدر للروائي العراقي جاسم الرصيف (مقيم في أمريكا) رواية بعنوان "مزاغل الخوف" في طبعة أولى عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، وتأتي هذه الرواية التي تقع في 358 صفحة لتتم مشروع جاسم الرصيف الروائي الذي بدأ بروايته "الفصيل الثالث" (1)

" رواية مزاغل الخوف هي عن أرض "خارجة عن القانون" في واقع الحال العراقي في الفترة المحصورة بين نهاية حرب الخليج الأولى 1980 -1988 وحرب الخليج الثانية 1991، وبشر مطارد في زمن يتناهبه القراد، عن وطن "يمشي على قدمين متعاديتين" .

بهذا التذييل يقدم الروائي جاسم الرصيف روايته مزاغل الخوف وهي عتبة دالة لولوج نص روائي ظل كاتبه وفيا في تنظيم بنائه بشكل تتوازى فيه أصوات السارد المتعددة والتي تحكي عن وطن مأساوي الملمح والرؤية ، من خلال وجه مصغر للوطن وهو هنا : الثالولة، حي التنك ، بتاريخ "يشبه رمالا صحراوية ، جافة ، ساخنة .. فلا أحد في الثالولة قادرا على وقف لعنة الكوارث" خصوصا في أرض "خارجة عن القانون" وفي هذه الأرض ، تقدم "مزاغل الخوف" مشهدا سورياليا لمأساة وطن ، تصل إباحيته المرة لدرجة التعفن ، وهي سير لوحدات مجتمعة ، تبني لشخوصها بعدا تنكشف مراتبه في تدرج خطي يتنامى ، فشخصية ستار عجقة ، وونسة خباثة، والشيخ بعيو وآخرون شخوص يعمقون بمحكياتهم لعبة الدوال في مزاغل الخوف بشكل نجد فيه أنفسنا أمام نص روائي يحتمل نصوصا موازية داخله ، إذ ثمة تنظيم واعي للعبة الحكي في الرواية ، وحضور عناوين معزولة لا تربط سارد/1 بسارد/2 تجعل من هذه التقنية التي وظفها جاسم الرصيف في رواياته السابقة نمطا خاصا بكتابات الروائي ، وخصوصية روائية انشطارية عن نص روائي حاضر بقوة.

إن العالم التخييلي الذي يقترحه نص مزاغل الخوف يولد أفعالا روائية تنتظم في انشطارها إلى حكايات تنمو بتوازي وصولا إلى انذغامها الكلي في حكاية واحدة هي الأساس لنحصل على ترسيمة تالية :

الثالولة ، حي التنك : حكاية ستار عجقة + حكاية ونسة خباثة + حكاية أنا + حكاية الشيخ بعيو..

تنتهي الرواية بجملة سردية أساسية : "انطفأت كل الفوانيس النفطية في حي التنك المقابل للقصر مساء "أول" جمعة صادفت احتلال الكويت" ، إن هذه الإشارة السردية هي بنية ينهض على خلفايتها النص الروائي ككل ، إذ يقدم السارد عمله الروائي وفق تزاوج العديد من البنيات الحكائية الصغرى والتي تقدم المشهد العراقي في مأساويته لحظة بلحظة في أرض تدخل وتخرج في حروب متوالية ، فأساس هذا العالم الغني الواسع الدلالات والمشبع بلغة جنسية تتوالد بقوة .

وكرواية السؤال لغالب هلسا تخفي اللغة الجنسية التي تصل إلى حدود إيروتيكية فاضحة ، وضع الاستيلاب والقمع الممارس على أجساد شخوص تخفي خلال هذا الكبت ، والممارسات الفاضحة جزء من وسخ الواقع المر ، الذين يعيشونه ، أما الروائي جاسم الرصيف فيقدم تصورا مختلفا إذ يفضح عراء عالم في تحرره السري والفاضح وحتى اللحظات التي يعلن فيها السارد الإله مستويات هذا التخييل والذي نراه خصوصية في أعمال جاسم الرصيف ، إذ أن اللغة الجنسية والمقاطع السريرية المطروحة هكذا في تناسق دلالي واضح هي جزء من عالم نفسي لنص موازي يتوافق مع بنية العمل الروائي ، فمزاغل الخوف هي صرخة مباشرة لفضح هذه ت تمارس عاداتها السرية دون الرغبة في التصريح، ولعل إصرار السلطات الأردنية على مصادرة الرواية بعذر أنها "إباحية" تطرح أكثر من سؤال لأن عمقها راجع لهذا الأساس ، أكثر من ثيمتها "محاولة اغتيال حقيقية جرت ضد صدام حسين أثناء احتفالات عيد الجيش العراقي في 6 كانون الثاني 1991 والتي حضرها الملك حسين وحسني مبارك وعلي عبدالله صالح ، إذ خطّط قائد العملية النقيب سطم الجبوري من أهالي قضاء الشرقاط / جنوب الموصل مع جماعته لتغيير أربعة أنظمة عربية في آن وذلك بنسف منصّة الإستعراض بمن فيها ، ولكن محاولته انكشفت في اللحظات الأخيرة قبل تنفيذها فأعدم المذكور مع جماعته ومنهم القاص والروائي حسن مطلك / كاتب رواية ( دابادا ) والحكم بالسجن المؤبد على القاص المعروف محمود جنداري ، الذي توفي بعد أسابيع من إطلاق سراحه بموجب عفو عام عن السجناء السياسيين !! وعلى هامش هذه المحاولة تم طرد أعداد كبيرة جدّاً من أبناء العشيرة التي ينتمي إليها النقيب سطم الجبوري ، ووضع المشتبه في ولائهم تحت المراقبة ومنهم الشخصية الرئيسية في الرواية الذي اعتقل بعد ذلك ونال أصنافا شتى من التعذيب !! وفي سياق السرد ورد وصف لتشبث صدام حسين بالانتماء إلى (سادة العرب) من (بني هاشم) وهذا ما أغاض السلطات الأردنية كما يبدو !!" (2).

إن البناء العميق الذي تنهض عليه مزاغل الخوف هو كشف هذا الوجه البشع للسلطة وتمركزها كحمولة إيديولوجية تؤسس بقيم الترهيب والتعسف وديكتاتورية بشعة أوجه آلية مغيبة لا أوجه المواطنة ، إن العمق التخييلي لرواية مزاغل الخوف مادة حية ، مميزة في متغيرها كبنية ونسق ، وكحمولة معرفية تؤسس مفارقات الدلالة والمعنى عبر اللعب على توظيف أرض عبارة عن وطن مصغر هو حي التنك ، وهي وحدة تتفرع منها وحدات فرعية حكائية لشخوص تواجه الخوف.. الخوف فقط ، وهو المجسم الوحيد الأساسي للدلالة .

وبعيدا عن هذا الفعل الحفري ، يتجه نص مزاغل الخوف في اتجاه استكمال مشروع روائي بدأ برواية الفصيل الثالث ، ، ولا زال يبني أفقه الروائي ، ويقدم هذا المتن حمولات كافية لإعادة قراءة راهن العراق ليس كجغرافية ولا كأيديولوجية ولا كشعارات سياسية ، إذ ثمة احتفاء بالعمق الإنساني الثاوي في خلفية التناول السردي للمحكي وثمة بنية عميقة مضمرة تحفر عميقا لتولد نصوصا تفضح الوجه البشع للسلطة لكنها سلطة فكرية أساسا بحمولاتها التي تتفرع من السياسي إلى الإنساني .

رواية مزاغل الخوف رواية تعيد سؤال الوعي بسيرة كتابة الحظر والمنع ، وهي إحدى أشكال كتابات المنفى في صياغاتها الإشكالية ، لتؤسس بوعي جديد أفق يتداخل التخييلي فيه على المستوى الحكائي بتأويل الاستعادة والاسترجاع ، ولعل خصوبة النص النقدي في استجلاء وعي الكتابة ، وتشريح للمادة الحكائية كفيل بتقديم معالم هذا الحس التخييلي المؤطر لشعرية الخوف.

الهوامش:
(1) جاسم الرصيف : روائي عراقي يقيم في أمريكا ، صدر له
- ( الفصيل الثالث ) 1983 من جزأين .
- ( القعر ) 1985 من جزأين في مجلّد واحد
- ( خطّ أحمر ) 1987 ، أعيد طبعها 2000
- ( حجابات الجحيم ) 1988 ، طبعة ثانية 2000
- ( أبجدية الموت حبّاً ) 1990 ، طبعة ثانية 2000
- ( تراتيل ألوأد ) 1992 ، طبعة ثانية 2000 ، طبعة ثالثة2004
- ( ثلاثاء ألأحزان السعيدة ) 2000 ، طبعة ثانية 2004

2 ) " أفق" / متابعات

جاسم الرصيف: رواية ممنوعة بشعرية الخوف

رواية ممنوعة بشعرية الخوف ... عبد الحق ميفراني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ناقد ــ المغرب
ـــــــــــــــــــــــ

صدر للروائي العراقي جاسم الرصيف (مقيم في أمريكا) رواية بعنوان "مزاغل الخوف" في طبعة أولى عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، وتأتي هذه الرواية التي تقع في 358 صفحة لتتم مشروع جاسم الرصيف الروائي الذي بدأ بروايته "الفصيل الثالث" (1)

" رواية مزاغل الخوف هي عن أرض "خارجة عن القانون" في واقع الحال العراقي في الفترة المحصورة بين نهاية حرب الخليج الأولى 1980 -1988 وحرب الخليج الثانية 1991، وبشر مطارد في زمن يتناهبه القراد، عن وطن "يمشي على قدمين متعاديتين" .

بهذا التذييل يقدم الروائي جاسم الرصيف روايته مزاغل الخوف وهي عتبة دالة لولوج نص روائي ظل كاتبه وفيا في تنظيم بنائه بشكل تتوازى فيه أصوات السارد المتعددة والتي تحكي عن وطن مأساوي الملمح والرؤية ، من خلال وجه مصغر للوطن وهو هنا : الثالولة، حي التنك ، بتاريخ "يشبه رمالا صحراوية ، جافة ، ساخنة .. فلا أحد في الثالولة قادرا على وقف لعنة الكوارث" خصوصا في أرض "خارجة عن القانون" وفي هذه الأرض ، تقدم "مزاغل الخوف" مشهدا سورياليا لمأساة وطن ، تصل إباحيته المرة لدرجة التعفن ، وهي سير لوحدات مجتمعة ، تبني لشخوصها بعدا تنكشف مراتبه في تدرج خطي يتنامى ، فشخصية ستار عجقة ، وونسة خباثة، والشيخ بعيو وآخرون شخوص يعمقون بمحكياتهم لعبة الدوال في مزاغل الخوف بشكل نجد فيه أنفسنا أمام نص روائي يحتمل نصوصا موازية داخله ، إذ ثمة تنظيم واعي للعبة الحكي في الرواية ، وحضور عناوين معزولة لا تربط سارد/1 بسارد/2 تجعل من هذه التقنية التي وظفها جاسم الرصيف في رواياته السابقة نمطا خاصا بكتابات الروائي ، وخصوصية روائية انشطارية عن نص روائي حاضر بقوة.

إن العالم التخييلي الذي يقترحه نص مزاغل الخوف يولد أفعالا روائية تنتظم في انشطارها إلى حكايات تنمو بتوازي وصولا إلى انذغامها الكلي في حكاية واحدة هي الأساس لنحصل على ترسيمة تالية :

الثالولة ، حي التنك : حكاية ستار عجقة + حكاية ونسة خباثة + حكاية أنا + حكاية الشيخ بعيو..

تنتهي الرواية بجملة سردية أساسية : "انطفأت كل الفوانيس النفطية في حي التنك المقابل للقصر مساء "أول" جمعة صادفت احتلال الكويت" ، إن هذه الإشارة السردية هي بنية ينهض على خلفايتها النص الروائي ككل ، إذ يقدم السارد عمله الروائي وفق تزاوج العديد من البنيات الحكائية الصغرى والتي تقدم المشهد العراقي في مأساويته لحظة بلحظة في أرض تدخل وتخرج في حروب متوالية ، فأساس هذا العالم الغني الواسع الدلالات والمشبع بلغة جنسية تتوالد بقوة .

وكرواية السؤال لغالب هلسا تخفي اللغة الجنسية التي تصل إلى حدود إيروتيكية فاضحة ، وضع الاستيلاب والقمع الممارس على أجساد شخوص تخفي خلال هذا الكبت ، والممارسات الفاضحة جزء من وسخ الواقع المر ، الذين يعيشونه ، أما الروائي جاسم الرصيف فيقدم تصورا مختلفا إذ يفضح عراء عالم في تحرره السري والفاضح وحتى اللحظات التي يعلن فيها السارد الإله مستويات هذا التخييل والذي نراه خصوصية في أعمال جاسم الرصيف ، إذ أن اللغة الجنسية والمقاطع السريرية المطروحة هكذا في تناسق دلالي واضح هي جزء من عالم نفسي لنص موازي يتوافق مع بنية العمل الروائي ، فمزاغل الخوف هي صرخة مباشرة لفضح هذه الإباحية السياسية والثقافية والفكرية في مجتمعات ظلت تمارس عاداتها السرية دون الرغبة في التصريح، ولعل إصرار السلطات الأردنية على مصادرة الرواية بعذر أنها "إباحية" تطرح أكثر من سؤال لأن عمقها راجع لهذا الأساس ، أكثر من ثيمتها "محاولة اغتيال حقيقية جرت ضد صدام حسين أثناء احتفالات عيد الجيش العراقي في 6 كانون الثاني 1991 والتي حضرها الملك حسين وحسني مبارك وعلي عبدالله صالح ، إذ خطّط قائد العملية النقيب سطم الجبوري من أهالي قضاء الشرقاط / جنوب الموصل مع جماعته لتغيير أربعة أنظمة عربية في آن وذلك بنسف منصّة الإستعراض بمن فيها ، ولكن محاولته انكشفت في اللحظات الأخيرة قبل تنفيذها فأعدم المذكور مع جماعته ومنهم القاص والروائي حسن مطلك / كاتب رواية ( دابادا ) والحكم بالسجن المؤبد على القاص المعروف محمود جنداري ، الذي توفي بعد أسابيع من إطلاق سراحه بموجب عفو عام عن السجناء السياسيين !! وعلى هامش هذه المحاولة تم طرد أعداد كبيرة جدّاً من أبناء العشيرة التي ينتمي إليها النقيب سطم الجبوري ، ووضع المشتبه في ولائهم تحت المراقبة ومنهم الشخصية الرئيسية في الرواية الذي اعتقل بعد ذلك ونال أصنافا شتى من التعذيب !! وفي سياق السرد ورد وصف لتشبث صدام حسين بالانتماء إلى (سادة العرب) من (بني هاشم) وهذا ما أغاض السلطات الأردنية كما يبدو !!" (2).

إن البناء العميق الذي تنهض عليه مزاغل الخوف هو كشف هذا الوجه البشع للسلطة وتمركزها كحمولة إيديولوجية تؤسس بقيم الترهيب والتعسف وديكتاتورية بشعة أوجه آلية مغيبة لا أوجه المواطنة ، إن العمق التخييلي لرواية مزاغل الخوف مادة حية ، مميزة في متغيرها كبنية ونسق ، وكحمولة معرفية تؤسس مفارقات الدلالة والمعنى عبر اللعب على توظيف أرض عبارة عن وطن مصغر هو حي التنك ، وهي وحدة تتفرع منها وحدات فرعية حكائية لشخوص تواجه الخوف.. الخوف فقط ، وهو المجسم الوحيد الأساسي للدلالة .

وبعيدا عن هذا الفعل الحفري ، يتجه نص مزاغل الخوف في اتجاه استكمال مشروع روائي بدأ برواية الفصيل الثالث ، ، ولا زال يبني أفقه الروائي ، ويقدم هذا المتن حمولات كافية لإعادة قراءة راهن العراق ليس كجغرافية ولا كأيديولوجية ولا كشعارات سياسية ، إذ ثمة احتفاء بالعمق الإنساني الثاوي في خلفية التناول السردي للمحكي وثمة بنية عميقة مضمرة تحفر عميقا لتولد نصوصا تفضح الوجه البشع للسلطة لكنها سلطة فكرية أساسا بحمولاتها التي تتفرع من السياسي إلى الإنساني .

رواية مزاغل الخوف رواية تعيد سؤال الوعي بسيرة كتابة الحظر والمنع ، وهي إحدى أشكال كتابات المنفى في صياغاتها الإشكالية ، لتؤسس بوعي جديد أفق يتداخل التخييلي فيه على المستوى الحكائي بتأويل الاستعادة والاسترجاع ، ولعل خصوبة النص النقدي في استجلاء وعي الكتابة ، وتشريح للمادة الحكائية كفيل بتقديم معالم هذا الحس التخييلي المؤطر لشعرية الخوف.

الهوامش:
(1) جاسم الرصيف : روائي عراقي يقيم في أمريكا ، صدر له
- ( الفصيل الثالث ) 1983 من جزأين .
- ( القعر ) 1985 من جزأين في مجلّد واحد
- ( خطّ أحمر ) 1987 ، أعيد طبعها 2000
- ( حجابات الجحيم ) 1988 ، طبعة ثانية 2000
- ( أبجدية الموت حبّاً ) 1990 ، طبعة ثانية 2000
- ( تراتيل ألوأد ) 1992 ، طبعة ثانية 2000 ، طبعة ثالثة2004
- ( ثلاثاء ألأحزان السعيدة ) 2000 ، طبعة ثانية 2004

2 ) " أفق" / متابعات

رويترز : جاسم الرصيف : الثألوة وحي التنك والبؤس والسخرية : من جورج جحا

[Reuters.com] [Reuters.com]

YOU ARE HERE: Home > News > أخبار المنوعات > Article
جاسم الرصيف: الثألولة وحي التنك والظلم والبؤس والسخرية
Sat Jul 9, 2005 8:49 AM GMT
Printer Friendly


بيروت (رويترز) - ما يميز رواية جاسم الرصيف "مزاغل الخوف" لا يتمثل بطريقة توزيع "فصولها" فهذا الأمر لم يضف إليها أمرا جديا بل اقتصر على "شكلية" هي على رغم ما فيها من جدة.. لا تقدم ولا تؤخر.. ولعلها تؤخر اذ تخلق ما قد يشبه الملل من تكرار الاسماء.

يتميز هذا الكاتب العراقي بقدرته على نقل أجواء الناس حركة وفكرا ومشاعر.. بسخرية دائمة وبشيء من الشعرية الحادة في غلالة من شبه الخرافة احيانا وبقدرة جلية ايضا على نقل اجواء عالم الظلم والفقر والجهل والاستغلال.

رواية الرصيف وهي تاسعة رواياته صدرت عن (المؤسسة العربية للدراسات و النشر) في 317 صفحة متوسطة القطع.

عنوان الرواية الداخلي حمل كلمات اضافية بعد "مزاغل الخوف" هي إيضاح لما تدور حوله الرواية وجاءت على الصورة التالية "عن ارض ..خارجة على القانون..وبشر مطارد في زمن يتناهبه القراد.. عن وطن يمشي الان على قدمين متعاديتين."

غلاف الكتاب حمل سطورا للناشر جاء فيها "مرة اخرى يحفر جاسم الرصيف في عمق المأساة العراقية من خلال مزاغل الخوف في حي بني على ارض خارجة على القانون بين حربي الخليح الاولى والثانية اللتين خلفتا وطنا ما زال يمشي على قدمين متعاديتين ومأساة ما زالت مرارتها الساخنة في كل مزاغل العراق."

تسير الرواية وفقا لنظام خاص بها فلا فصول ولا احداث متلاحقة من "الف" الى "باء".. الى ما بعدهما.. انما اسماء تتكرر وكأن كلا منها لازمة تطل ثم تغيب لتحل محلها اخرى وتستمر الحكاية.

تتكرر هذه الاسماء العناوين ما لا يقل عن 170 مرة في مجموعها ولكل اسم منها حصة هي ما بين صفحة وصفحة ونصف صفحة الي صفحتين. وتوزع ذلك كله على ثلاثة اقسام.

والاسماء هذه غالبيتها لاشخاص ومنها واحد هو اسم لمكان. المكان هو "الثألولة. حي التنك."

والثألولة هي واحدة الثاليل وقد شرحت في احد الهوامش بانها "زائدة جلدية لا يتخلص منها المرء الا بقطعها." والاسم هو كاسماء اخرى رمزي من ناحية وواقعي من ناحية اخرى. اسم المكان هذا فيه من الرمزية ان الثألولة نمو غير طبيعي ومشوه وقد يكون قابلا للامتداد.

انها تعبير عن احزمة الفقر التي تحيط بمدن العالم الثالث بشكل خاص او تتكامل معها.

وهي "صروح.. للفقر والقذارة والخروج على القانون وللجريمة من ناحية ورموز للحرمان والتمييز والظلم الاجتماعي كذلك. انها توأم مدن الصفيح او مخيمات الزنك او.. الزنكو.. اكانت فلسطينية ولدها الاقتلاع والتشرد ام نتائج للنزوح الاجتماعي او الهجرة الداخلية من الريف الى المدينة. القسم.. الواقعي.

من الاسم هو "حي التنك" نفسه الذي يختصر البيوت والاماكن التي تشهد الوف الولادات والافراح والاحزان والوفيات واستمرار هذه الامور كلها من فترة زمنية الى اخرى.. والتكاثر الذي يذكر بكرة الثلج المتعاظمة.

من الاسماء "ستار عجقة" والعجقة عراقيا كما في سائر بلاد الشام يقصد بها بالعامية "وصف لخلط الامور بعضها ببعض عن جهل او تجاهل" كما جاء في حاشية اخرى.

يضاف الى ذلك معنى اخر هو الضجيج والضوضاء. اسم عنوان اخر اختصر بكلمة هي الضمير "انا" ومن بعده ياتي اسم "ونسة خباثة" يليه الاسم او العنوان الاخير "الشيخ بعيو."

تبدأ الرواية بستار عجقة وقد اوقعه عمله بين مطرقتي رجال الشرطة وثوار يهربون الاسلحة الى مناطقهم بمساعدته. انه في مقدمة القافلة "يستكشف الطريق بسيارته المطفأة الاضواء."

"وبعد قليل يتوقف فجاة. شعر بحركة ما في حقل المنطقة القريب. ترددت في اذنيه... فتعالت ضربات قلبه. توقع ان تلتصق بانفه في اللحظة القادمة فوهة رشاشة شرطي او.. رفيق من الحزب.. ولكن هذا لم يحصل فتأكد انه حيوان بري مرعوب مثله..."

ننتقل بعد ذلك الى "انا" ونبدأ معه في السجن. يقول "زنيت على حصيرة جامع هكذا خيل لي وسط غرفة التوقيف.. النتنة" وهي اول تجربة له من هذا النوع اثر اتهامات باطلة منها فراره من الجندية.

اما "ونسة خباثة" فهي بنت الهوى التي تستقبل الرجال وتعاني من نقطة ضعف تجاه احد الثوريين الحالمين. تنظر الى جدار غرفتها فتقرأ "صار لكل شيء ثمنه بعد ان فقدت الاشياء ثمنها."

هكذا كتب على الجدار باحمر الشفاه دون معرفتها قبل ان يدخل رجال المخابرات ويعتقلوه. تخاف من انهياره تحت التعذيب وتوريطها في ما لا تعرفه ولا تفهمه.

ونصل الي اسم المكان "الثألولة. حي التنك." يقول الكاتب ان تاريخه بدأ باربعة قتلى حيث قتل صاحب الاسم الرمزي المعبر "ضايع عبد الموجود" زوجته وأولاده الثلاثة سرا بحجة فسقها وانهم ليسوا اولاده فعلا وتظاهر بالحزن والتصميم على الانتقام ودفنهم في المكان اي البرية المواجهة للمدينة وبني مسكنه هناك وما لبث المكان ان صار مدينة تنك.

وتقول الاشاعات وفي رمزية قتالة.. انه اكتشف بعد ذلك ان قصة عقمه كانت خطأ من الطبيب وان الاولاد هم اولاده فعلا فقضى على نفسه بالموت.

اخر الاسماء والعناوين المتكررة هو "الشيخ بعيو" وبعيو اسم شعبي يستدل به على الطبقة الفقيرة غير المتعلمة وهو تحريف لكلمة.. بعباع.

انه الطبقة الفقيرة التي يدغدغها الرئيس وينعم عليها مثل اهدائه الشيخ بعيو سيارة حمراء.

نقرأ "اهم موعد في حياة الشيخ بعيو يقترب الان وهو يستجمع افكاره متخيلا ما سيجري عند ما يستقبله.. السيد الرئيس.. وكان يحاول انتقاء مفردات بعينها من مفردات اللقاء المنتظر.. يا عزنا.. لا.. يا عز العرب.. لا بأس.. يا مهندس مصيرنا.. حلوة.. يا فخر الامة العربية.. احلى."

وتدور الاسماء راوية ماسي العراق والمفجع المبكي والمضحك. ولعل بعض ابلغ "الخلاصات" في الرواية يتمثل في لقاء الشيخ بعيو و "الرفيق امين السر" و.. الرؤؤس الكبيرة.. وعند نهاية اللقاء وقبيل الانصراف والاتفاق على لقاءات اخرى انطلق الرصاص والقذائف ودوت الانفجارات.

وتأتي النهاية "كاريكاتورية" اذ بحثت عينا الشيخ "مرعوبا غير مصدق ما يراه ويسمعه الان فرأى الرفيق امين السر منبطخا تحت سيارة بيك اب وراسه يتلفت مذعورا نحو.. الشيخ.. ونحو.. القصر.. و.. وادي الحرامية.. الذي انطلقت منه النار.

"ثم دوت متأخرة جدا نيران رجال الحمايات والمرافقين نحو.. مزبلة الشيطان.. ووسط ذعر اكثر من اربعمئة رجل وعدد لا يحصى من الاطفال والشحاذين والحيوانات المشردة.. فانطفات كل الفوانيس النفطية في.. حي التنك.. المقابل للقصر مساء.. اول.. جمعة صادفت بعد احتلال الكويت."

من جورج جحا


© Reuters 2005AllRightsReserved

تراتيل الوأد : جاسم الرصيف

الروائي جاسم الرصيف


تراتيل الوأد: من يطفئ نار الهزائم

2001/07/8


رياض أبو عواد - مصر

جاءت ظروف الحصار المفروض على العراق لتحرمنا من التواصل مع منتجَه الثقافي، وهو بلد كان وما زال يشكل إحدى الركائز الأساسية في الثقافة العربية، وبعد كل هذا الانقطاع وجدت صدفة في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابقة أربع روايات للكاتب العراقي "جاسم الرصيف"، كانت "تراتيل الوأد" إحداها.

والرواية حسب تاريخ نشرها في عام 1992 من أوائل الروايات التي تناولت حرب الخليج الثانية وانعكاساتها على الشعب العراقي.

يستخدم الكاتب تعدد وتنوع الأصوات في الرواية بشكل فني ارتكز على عمل موزع على أبطال رواياته الأربع، مثل التوزيع السيمفوني الموسيقي لتقديم تراتيل الموت في وطنه، وتشترك فيه الصورة المعيشية والتقلبات النفسية لأبطال العمل.

عنوان الرواية منذ البدء يدل على الصعود الإجباري إلى رحاب موت لم يقرره الشخوص، مستخلصًا من التاريخ كلمة "الوأد"، في إشارة لما كانت تفعله قبائل عربية في الجاهلية من وأد بناتها؛ خوفا من عار وقوعهن في الأسر؛ ليرسم خط الرواية الدرامي؛ ليحدد منذ البداية خطوط نمو الشخصيات، بالانحدار التدريجي نحو الهزيمة الجماعية والفردية من خلال أحداث الحرب.

تشكل شخصية "خلف القشعام أبو الأبرد البدراني" الشخصية الأصعب والأكثر تعقيدا على صعيد السرد الروائي، فالكاتب يروي من خلالها تاريخ الحركة الوطنية العراقية عبر تهويماته الاسترجاعية وانتقاله إلى الحالي وعلاقاته مع ابنيه، زيدان وجواد، وعشيقة ابنه الأول أم نهاد الذين يشكلون الفريق السيمفوني الذي يقوده الكاتب.

خلف القشعام

عاش خلف كما روى في تهويماته حياة قرية جبلية منسية كواحد من أبنائها الفقراء المتمردين على حياتهم البائسة، وخاض فيها معاركه المتعددة، ضد الأتراك وضد ملاك الأراضي.

واستكمل معاركه ضد الإنجليز وأعوانهم، واستقر في قريته بعد رحيلهم، وتزوج وأنجب أطفاله الذين سرعان ما كبروا وغادروه إلى المدينة، واستطاع بفضل ذكرياته مع أصدقائه من المحاربين القدامى من الاستمرار في العيش بعد وفاة زوجته.

ويصف حياة البؤس التي عاشوها فترة حكم الأتراك؛ حيث اضطروا لأكل الكلاب والذئاب البرية، ودوره في إطعام أهالي بلدته من سلب الأغنياء وصيد البرية؛ لدرجة أن رائحة الذئاب التي اصطادها لازمته فترة طويلة.

ويصمت بعد انتصار الحركة الوطنية، ومغادرة أبنائه القرية إلى المدينة، رافضًا هذا المتغير، معتقدًا أن أبناءه تحولوا عن تاريخهم، ومعادل ذلك في العمل الأدبي تحولهم للعيش بالمدينة بما تتصف به من سهولة العيش مقارنة بالقرية، وهذا أبعدهم عن استكمال التحرر الوطني وقبولهم بالفتات.

وأحس بالحسرة التي تحولت إلى خوف على ابنه زيدان بعد بداية حرب الخليج الأولى عام 1980 التي اشترك زيدان فيها، وفيما بعد الابن الصغير الذي لا يظهر في العمل الروائي إلا من خلال مشاعر والده القلقة عليه بسبب وجوده في الخطوط الأمامية في حرب الخليج الثانية عام 1990.

وجمعت شخصية خلف القشعام تاريخ الحركة الوطنية، ومهّدت لظهور الشخصيات الأخرى التي تشكل نقيض تجربته؛ لكونها سليبة الإرادة وفي موقع الاستجابة لإرادات الآخرين وليس إرادتها الإنسانية الخاصة.

زيدان الخلف

صوت زيدان الخلف جاء الثاني من حيث الأهمية؛ لكونه محاربا متقاعدا بعد إصاباته المتكررة في حرب الخليج الأولى؛ ولكونه يشكل علاقة حية متنقلة بين الريف والمدينة، إضافة إلى علاقته الحرة مع أم نهاد التي لم تحكمها قيم ولا أعراف وهي العلاقة الحرة الوحيدة الاختيارية.

وهو يصف معاناة الجنود الذين رافقوه في مجموعته العسكرية والتي لم يعد أحد منها سليما، دون أن يحدد موقفا من هذه الحرب التي ألقت به في الشارع بعد أن دمّرت جسده وروحه دون أن يستطيع البوح بذلك، ويبقيها الروائي ضمن المسكوت عنه في النص، حيث تكثر الآهات الخافتة بما يتعلق بالوضع الداخلي في الوطن الذي ألغى قادته إرادة مواطنيه.

إضافة إلى ذلك يصف حياته التي فقد فيها حتى قدرته على المبالاة بما يجري من حوله ظاهريا، رغم أن مجرى الكلمات توحي بتمزقه وعجزه، خصوصا عند وجوده في بغداد في أثناء قصفها بطائرات الحلفاء، فكان يهرب من نفسه بالتوحد مع أم نهاد التي كانت ترغب بالتوحد معه إلى الأبد دون أن تبالي برأي المجتمع.

حالات من الوعي والتمرد كانت تنتابه إثر انتقاله للعيش مع والده في القرية هربا من القصف اليومي الذي يعصف بالعاصمة العراقية، فيهرب إلى مجرى الجدول المائي البارد ليغرق فيه غليان إحساسه بالعجز أمام تدمير الحياة الإنسانية، دون جدوى، ويعود مع أم نهاد إلى المدينة ليغرق معها وفي الخمر همومه في عبثية لا تنتهي.

جواد الخلف

وتمثل الرواية جواد الخلف من الذين ينحنون أمام الواقع الصعب، ولا يرفعون صوتهم بالشكوى أو الرفض ويكملون حياتهم بعيدا عن السؤال حيث يشل الخوف إرادتهم وحياتهم في إطار هيمنة الرؤساء.

فتنقل الرواية جواد الخلف لما قبل الحرب حيث إيقاعات العمل الحكومي وعلاقات الرؤساء غير المتوازنة بالمرؤوسين، وأثناء الحرب كيف تحول البسطاء من الموظفين وعامة الشعب بشكل تدريجي إلى الفقر؛ لدرجة البحث في براميل القمامة عن طعام لزوجاتهم وأطفالهم، في الوقت الذي تزيد فيه ثورات الأغنياء وتتمتع بحماية حكومته.

وكذلك يصبح الفقراء هدفًا للقصف الأمريكي، وتدور بينهم الصراعات من أجل لقمة العيش التي لا يستطيعون الحصول عليها؛ فهم المنسيون من الخدمات التي يوفرها النظام لرموزه وللأغنياء فقط.

أم نهاد

ويروي الصوت النسائي الوحيد الذي تعبر عنه أم نهاد حكاية المرأة في المجتمع العراقي بعيدا عن السياسية، وإن تداخلت مواقفها في السياسة بعد نشوب الحربين، فتقدم وصفا لفتاة من الطبقة المتوسطة تمردت على عائلتها وتزوجت من سائقهم الخاص، الذي تخلى عنها وأطفالها الثلاثة في بداية الحرب الأولى، فانحدر وضعها الاقتصادي وانتقلت في السلم الاجتماعي إلى الأسفل.

وحين التقت بزيدان قبل ليلة من الحرب الثانية أخذته إلى بيتها، في إشارة إلى وحدة الدمار الذي حققته الحرب الأولى في التركيبة الاجتماعية والنفسية بالمجتمع العراقي والمتغير الأخلاقي الذي جعلهما غير مباليين بكل شيء.

وتنتقل مع أولادها للعيش في قرية زيدان تحت سقف والده للاحتماء من قصف بغداد الوحشي، وفي محاولة لخلق توافق داخلي بين عالم زيدان المهزوم المليء بالانكسارات، وعالم جواد الخلف.

الخاتمة

تصل الرواية ذروتها في صفحاتها الأخيرة بتصوير مصائر أبطالها المأساوية؛ لفقدانهم حرية الاختيار، وهو ما يؤدي بعد إعلان وقف النار إلى جنون زيدان وهو يمضي عاريا أمام الناس إلى مجرى المياه ليطفئ نار هزيمته وعجزه في مائه البارد، وفي ذات الوقت الغرق في متدفق ماء النهر يشكل دائما رمزا لاستمرارية الحياة.

وتقف أم نهاد حائرة بين الجري وراءه أو الذهاب إلى أولادها والرجل العجوز، فهي العراق المغلوب على أمره، وكأنه لا يعرف إلى أين يمضي.

ويعود جواد للعيش في القرية بعد إعلان وقف إطلاق النار وفقدان زوجته وابنيه مذهولا، يحمل جثة ابنته المشلولة دون أن يدري بموتها، في إشارة واضحة الدلالة بأن الخنوع موت.

ويظل العجوز خلف القشعام يتأمل التلة التي تحتضن مقبرة القرية؛ مترقبا ما تحمله الأيام القادمة.

Thursday, October 06, 2005

ثلاثاء ألأحزان السعيدة

مزاغل الخوف

حجابات الجحيم وثلاثاء ألأحزان


أبجدية الموت حبّا

خط ّ أحمر

تراتيل الوأد

مزاغل الخوف

سيرة ذاتية مع صورة شخصية


الإباحية السياسية والثقافية والفكرية في مجتمعات ظل
منابع الخوف عند جاسم الرصيف ... شوقي عبد الحميد يحيى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ناقد ــ مصر
ـــــــــــــــــــــــ

الكاتب هو مرآة عصره ، لكنه ليس مرآة عاكسة لما هو على السطح ، ولكنها مرآة تصدر أشعة تخترق ما فوق السطح لتعكس ما ليس بواضح للآخرين ، لذا فقد يتحدث الكاتب عن أشياء ، وربما كان يعني أشياء أبعد منها ، فعندما أراد تولستوي أن يقدم ويلات الحرب ، قدم عملا لم يتحدث عن الحرب مباشرة ، بل لم يذكر الحرب – تقريبا – بشكل مباشر على طول الرواية الرائدة "الحرب والسلام" ،

وعندما أراد نجيب محفوظ أن ينبه إلى ما يعيشه الشعب المصري تحت السطح قبيل كارثة يونيو 67 ، قدم "الطريق" وقدم "ثرثرة فوق النيل" ، وبعد أن وقعت الكارثة قدم "ميرامار" و "الكرنك" وغيرها ، كذلك قدم بهاء طاهر في "قالت ضحى" و "شرق النخيل" ، وغير ذلك من الأعمال التي تناولت ما جرى وأسباب ما جرى في يونيو 67 . (1)

وما أشبه الليلة بالبارحة وكأننا نحن العرب لا نعي أي درس ، فثلما كل العصور تبدأ بالحاكم وتنتهي بنهايته ليبدأ عصر جديد ، تمر بنا الخيبات ونتناساها لتقع خيبات أخرى حتى ولو أشد إيلاما . فما أشبه ما حدث في يونيو بما حدث في العراق حينما احتل الكويت وفتح بيبان النيران على ليس العراق فحسب وإنما على الأمة العربية كلها ، ولتنطفئ مصابيح النفط على العرب جميعا ، وليظهر في العراق نجيب محفوظ وليظهر بهاء طاهر وليظهر جاسم الرصيف وليقدم لنا "مزاغل الخوف" والتي ينهي رحلتها الطويلة بمفتاح الولوج إلى عالمها الرحب حين يقرر :-
[ .. ثم دوت "متأخرة جداً" نيران رجال الحمايات والمرافقين نحو "مزبلة الشيطان" وسط ذعر أكثر من أربعمائة رجل وعدد لا يحصى من الأطفال والشحاذين والحيوانات المشردة ، فانطفأت كل الفوانيس النفطية في "حي التنك" المقابل للقصر مساء "أول جمعة صادفت بعد احتلال الكويت" .. ] (2). ولتكون كما لحظة التنوير في القصة القصيرة التقليدية ، تضيء العمل وتكشف خباياه والمغلق من معانيه ، وعليه تكون قراءة العمل .

تقع أحداث الرواية في إحدى بقاع العراق ، بل في بؤرة من البؤر العشوائية فيها تلك التي يباح فيها كل شيء ، - وتذكرنا تلك البقعة بـ "حي الجاموس" في رواية الشاعرة المصرية سهير المصادفة – لذا فقد كان توفيقا من الكاتب في اختيار مثل ذلك الحي الذي يمكن من خلاله تقديم كل صنوف الانفلات الأخلاقي الذي أراده الكاتب تعبيرا عن الحالة العراقية التي أدت به في النهاية لانطفاء مصابيحه ، وضياع ليس أرضه واقتصاده فحسب ، وإنما تاريخه وحرية ناسه بالدرجة الأولي ، وأتاحت للكاتب أن يستخدم الجنس بطريقة مبررة لا مغالاة فيها ، الأمر الذي يثير التساؤل حول مصادرة الرواية في قطر عربي ، ولنتصفح الرواية علنا نستطيع دحض تلك المزاعم الساذجة .

تدور الرواية على مستوى السطح الأفقي لتقدم أكثر من رواية على لسان أكثر من راوي ، لكنها تتشابك جميعا لتقدم في النهاية رؤية كلية لانعكاسات الحكم الديكتاتوري ، وتتوحد الشخوص في نهاية الرواية وتتماهى في بعضها البعض ، فتتوحد شخصية "ستار عجقة" في تلك الشخصية المتحدثة تحت عنوان "أنا" ولنكتشف أنهما معا يشكلان الشعب العراقي "الموقوف" أو المعتقل في سجون الحكم الديكتاتوري العائم في تموجات الفساد ، وتتوحد شخصية نور الهدى – تلك التي كانت الطهر والعفة إلى أن اغتصبها ابن الجيران لتتحول بعده إلى "ونسه خباثة" – وواضح بالطبع المفارقة بين الاسمين والدلالة التي يؤديها كل منهما – بل يعمد الكاتب إلى تمويه اسمها وعدم تحديده بين نور الهدى و ونسه خباثة وسحر ليؤكد أنها ليست شخصية حقيقية ولتصبح الرواية رواية رمزية تشير فيها وإنما هي العراق ذاته ذلك الذي كان ...... ، ثم أصبح مستباحا منتهكا من الجميع ، "ولم يعد لأبوابه من ضرورة" ولتنضم "مزاغل الخوف" في العراق إلى أخواتها من الروايات الرمزية التي سادت في مصر فترة الستينيات وما جرى فيها .

وعلى الرغم من أنه حكم فردي بالدرجة الأولي ، إلا أن مجموعات عديدة تتولى ممارسة النهب والتسلط والفساد والقهر على باقي أفراد الشعب ، فهناك أولا السلطة الرئاسية ، تلك التي لها اليد العليا ، الغائبة الحاضرة ، وكأنها الجبلاوي في رائعة نجيب محفوظ الروائية "أولاد حارتنا" ، فالسيد الرئيس هو الحاضر الغائب ، فعلى الرغم من عدم ظهوره مطلقا طوال مسيرة الرواية ، إلا أنه متلسط على أفعال كل شخوصها ، سواء بالخوف والتبجيل ، أو بالكره والرفض لأفعاله التي دفعت البلاد للعيش في حروب مستمرة – ونذكر بأن وقائع الرواية تقع في الفترة بين حربي الخليج ، الحرب مع إيران واحتلال الكويت وما أدت إليه من تدمير كامل للعراق ، الأمر الذي جعل السجن هو الأمان :-
[ .. لم أر المعركة لأنني كنت في سجن "المقر الخلفي" البعيد إلى حد ما ، عن جبهة القتال "جنة الحرب" هكذا يسمونه الذين أدمنوا الذهاب إلى السجن لنيل بعض الأمان والراحة .. ] (3) فإذا كانت تلك هي الرؤية لما يدور بالبلاد على الصعيد الخارجي ، فإنها لم تكن بأفضل من ذلك عليه في الداخل حيث يظل السيد الرئيس متسلطا بقوة رغم عدم ظهوره ، وليظل
[ .. من السهولة أن يشتم المرء الله في مركز المدينة ، "باب الطوق" المزدحم أبدا بالمارة ، دون أن يمسخه الله قردا على الفور أو يرسل إليه صاعقة تفحمه ، ولكن أي امرئ يمس قدسية مالك الجهات الأربع "غمام البين" يعدم لا محالة ، بتهمة "الخيانة" ] (4).

ثم يعبر جاسم الرصيف عن ذلك التسلط والتصنت الذي هو سمة أساسية في الحكم الديكتاتوري بإسلوب ساخر معبر في : -
[ .. ولم يستغرب أحد سرعة رد الفعل لأن الجميع كانوا على يقين أن "الحيطان" كل الحيطان ، حتى غرف النوم لها آذان ، وأن الأسرة ، والنوافذ ، والطيور ، ودود الأرض ، وغيره ينصت لصالح "ملك الجهات الأربع" في البلد ، بإخلاص وطني لا نظير له !! ويسعى مخلصا لتمليكه الجهة الخامسة طبعا السماء .. ] (5)

وهناك كذلك ممن يمارسون التعدي والقهر على الشعب ، أفراد الحزب ، والمخابرات والمختارون وغيرهم ، كل يعمل في واد لحسابه وكل يخون كل ، حتى اختلطت الأمور وتنوعت مصادر الفساد والإفساد ، فأصبح [ .. لا أحد يدري !! ولا أحد يستطيع الإجابة عن ذلك السؤال العجيب : من يخون من ؟ ! ومن يسرق من ؟! من يخاف من ؟!!] (6). وقد أدت هذه الممارسات إلى ألوان من العذاب النفسي على البشر استطاع جاسم الرصيف أن يعبر عنها بصدق يحسب له . فنرى "أنا" – وهو أحد الضمائر في الرواية عندما يساق إلى "الوقف" – الاعتقال – دون جريرة يعلمها ودون محاكمة – وهو يظن أنه لا بد هناك خطأ ما ، وأنهم لابد سيكتشفون ذلك بين لحظة وأخرى ، ينظر الراوي إلى الموقفين حين يقدم إليهم ما يسمى بالغذاء ، يتصيد بعضهم حبة أرز تكون قد تساقطت على الأرض ، ويعتري الراوي الدهشة حينما يرى ذلك في أحد بلاد النفط :
[ .. فانتبهت لأول مرة في حياتي إلى قيمة "حبة أرز مسلوقة" مجرد حبة !! يحتاجها إنسان حقا ليعالج جوعه . فانتابني مزيج من مشاعر ، ما شعرت بمثلها من قبل ، بين النقلة التي يكتشفها المرء نفسه فجأة عندما يكتشف حبة أرز لها قيمة في هذه الحياة ، وبين الجوع الذي أراه في بلد يعوم على النفط يشبع عشرات الملايين ، وصدمتني لا مكانية هذا المكان ، وربما حتى لا سببية الإقامة فيه عندما يفكر الإنسان حقا أنه إنسان .. ] (7).

وأراني مسوق نحو تقديم تلك الفقرة رغم طولها ، إلا أني أراها تقدم صورة مما استطاع جاسم الرصيف تجسيده من مظاهر التعذيب والقهر النفسي والبدني ، ذلك الذي أراه يعنيه بالدرجة الأولي من عمله الجميل ، والتي يراها ، وأراها بؤرة (منابع الخوف) المبرر نفسيا وفنيا حينما يواصل "أنا" شهادته للتاريخ وللأيام وللأجيال عما رآه وعاناه في محبسه غير المبرر :
[ .. ولكنني شعرت بالضربة بين فخذي ، تفجر في جسدي ألم ما شعرت بمثله طوال حياتي ، تعمد أن يضربني على خصيتي !! لم أتوقع الضربة . حاولت يداي الفرار من قيدهما خلف ظهري وأنا أتهاوى على الأرض ، تلويت على نفسي وأنا أكتم أقسى "آه" عرفها فمي . وتوقعت ضربة أخرى ، تمددت على الأرض . تكورت على نفسي كما تفعل القنافذ حين تحمي نفسها ، كما الأجنة في بطون أمهاتها ، فيما كان هذا يسألني ببرود :- نعم أم لا ؟ فتظاهرت بالإغماء . إن أجبت نعم فإنه قد يربطني بجرة قلم واحدة بأخطر متآمر على السيد الرئيس "حفظه الله" ....
ولأنني تأخرت في الإجابة تلقيت ركلة أخرى على مؤخرتي ، لم تثر في جسدي ألما مثل ألم الضربة الأولى ، مع أنها موجعة !! ، فتمنيت أن تكون الضربة الثالثة على نفس المكان ، فأجبت من بين أسناني التي ما زالت ، ويا فرط دهشتي !! تعض الحبل : نعم ولا !! وأرجوك دعني أشرح ذلك ، أرجوك سيدي ، وأكدت حروف "سيدي" ، عندئذ شعرت بخط من النار يكوي فخذي ومؤخرتي ، وبخط آخر يكوي جبهتي وزندي ، وثالث يصعق ظهري . كان يضربني "بالكيبل" . كانت النيران تشتعل في جسدي كله ، وكنت أسعى بجنون لحماية رأسي من الضربات ، تركت له أعضائي كلها ليضربها كما يشاء وهو يردد إجابتي ساخرا : نعم لا ، نعم لا ، ويكرر الضرب عند نعم على حدة ولا على حدة يا ابن الكلب تريد أن تلعب ؟ ! العب ، نعم لا ، نعم لا ، ولم يعثر لساني في تلك اللحظات على غير كلمة واحدة أصرخها : الله الله !! تأخذ معها بعضا من الألم الرهيب الذي يتآكل جسدي ....... ] (8) .
فهنا نجد المرارة والألم يعتصران الإنسان ، إضافة إلى الشعور بالمهانة والظلم ، وعندما يعتصر الإنسان الألم ، يكون الموت أصعب الأماني ، وعندما يستبد به الظلم ، لا يجد إلا الدعاء ، وعندما يصبح الدعاء غير مستجاب ، قد ينزلق الإنسان الضعيف نحو ما قد يخرجه عن المألوف ، وهذا ما فعله جاسم الرصيف عندما سحق الإنسان تحت وطأة وجبروت الظلم ضاع منه الإنسان وضاعت منه القيم والأخلاق المتعارف عليها ، فكان الخروج – عند الشخوص – على بعض المسلمات المقدسة وكان ما قد يبدو إغراق في الجنس والإباحية ، بينما العمل لا يمت إلى ذلك بصلة ، لكنه الصدق الفني ، والصدق الموضوعي ، والتي لو استطردنا في الاستشهادات من واقع العمل ذاته لتبيان كيف استطاع جاسم الرصيف أن يحدث الأثر النفسي الضاغط ليولد فينا الثورة على تلك الأوضاع ، لتضخم حجم هذه القراءة ، ولكننا نستطيع القول بارتياح أن الرواية استطاعت أن تتعامل مع الإحساس والوجدان ، بعيدا عن أي خطابية ممجوجة ، أو تقريرية تخرج بالفن عن وسائله .

وعلي الرغم من سير الرواية بطريقة أفقية ، ودورانها حول حالة محددة ، الأمر الذي قد يوحي ألا تصاعد فيها ، إلا أن جاسم الرصيف تغلب على ذلك بمحاولة خلق المقابلة أو المفارقة التي تساعد في خلق الإحساس بالحركة و التي تنعكس بالتالي على القارئ في مثل تلك الحالة التي خلقتها "مي حركات" بتهيئتها لـ "ونسه خباثة" وإعادتها عذراء بطريقة صناعية لتقدمها لرأس كبير جدا ، وامتناع ونسه عن تسليم نفسها لمن أتاها حتى لو كان "ستار" نفسه مؤجلة ذلك لما بعد الليلة الموعودة مع ذلك الرأس الكبير جدا الذي يريد بكرا ، بعد أن ظلت – كما يمكن أن يقال (تعلفها) وكأنها خروف يهيأ ليوم الذبح – وبعد كل تلك التجهيزات والاستعدادات ، يأتي الرأس الكبير جدا ، وبعد أن (ريل) لمرآها ، كان أول ما طلبه منها – بعد أن استلقي على بطنه أن (إبعصيني) . فالصورة على بشاعتها وانحطاطها ، إلا أنها تقدم تلك المفارقة بين من يذلون شعبا بأكمله ، ومن تهتز الأبدان لسماع اسمه ، ومن رسمت حوله الهالات في حالة الخارج ، وبين تلك الصورة الوضيعة التي هو عليها في أدق خصوصياته فكانت الصورة معبرة خير تعبير ، خاصة أنها جاءت مركزة موجزة ، على غير ما سنرى فيما بعد . يضاف إليها كذلك صور زوجات الشيخ بعيو ذلك الذي يعد أكبر رأس في تلك المنطقة ، وأحد رجال السلطة فيها ، وما رسمه الكاتب حوله من قدرات وإمكانيات ، ثم نتبين ذهاب "الشيخة الصغيرة" إلى "معيط" أحد رجال الشيخ بعيو وابن أخيه في نفس الآن ، متسللة لتزيد الصورة انحدارا وتدهورا ، ثم الشيخة الكبيرة تذهب أيضا إلى "ستار عجقة" لتفعل نفس الفعلة – غير أنها لم تكن على نفس المستوى من الصدق الفني الذي كانت عليه فعلة الشيخة الصغيرة – ولتعلو نبرة السؤال المحير من جديد "من يخون من؟ ومن يسرق من؟" وليتعاظم الاضطراب والتخبط الذي أراد جاسم الرصيف تصويره .

كذلك مما يحسب للكاتب تغلبه على طول العمل بتقنية التقطيع لروايات الشخوص المتتابعة السريعة والتي استخدم فيها تقنية الإخراج التليفزيوني الذي ما أن يصل برواية واحد من الشخوص إلى نقطة تنقطع عندها الأنفاس ترقبا وانتظارا ، حتى يتعمد التوقف عندها والانتقال إلى رواية شخصية أخرى ، مما جعل القارئ يظل يلهث وراء العمل – رغم طوله النسبي – حتى النهاية .

إلا أن ذلك – الطول النسبي – لم يسلم من بعض ما يؤخذ على الكاتب مثل :
تعرضت ونسه لعملية اغتصاب وحشية ، ترددت فيها كلمة "يا هلا ونسه" ، وبعدها وبينما هي جالسة في حجرتها كان هذا المشهد :
[ .. وعلى أضواء البطاريات التي كانت تتقاطع بكثرة في ظلام الغرفة ، شاهدت ضابطا وبصحبته "المختار" الذي كان يحدق ببله صريح في وجهها قبل أن يقول بفرح : ونسه ؟؟!! يا هلا بونسه !! . فشعرت أنها تفقد الوعي ..... ] (9) ، ولو توقف الكاتب عند هذا لترك للقارئ مساحة للتصور والتخيل ، والربط الذي لابد سيجعله يسترجع واقعة الاغتصاب التي ارتبطت بتلك الجملة ، إلا أن الكاتب استطرد [ .. بعد سماع تلك الجملة التي ذكرتها بما جرى لها في "مزبلة الشيطان" قبل فترة .
كذلك لم تكن مبررة تلك الواقعة التي تم فيها استدعاء "الشيخ بعيو" من قبل أولئك السادة لإذاقته بعضا من التعنيف والكشف لأفعاله التي يظن أنها خافية ، دون سابق تمهيد أو لاحق تأثير ، فجاءت كالبيت الوقف في منطقة عراء – حتى لو كان الكاتب يرمي من ورائها دخول هؤلاء السادة معه في القسمة غير أن ذلك لم يكن فنيا على الوجه المراد .
كذلك إحساس الشيخ بعيو – أيضا – بالرغبة الجنسية في مكتب السيد مدير مكتب السيد الرئيس ، لم يكن ذلك أيضا مبررا فنيا ولا منطقيا ، حيث لم يكن الشيخ يعاني أي تقصير في أداء مهامه في ذلك الجانب ، إلا انسياق الكاتب وراء الرغبة في زيادة قتامة الصورة .

وعلي الرغم من كل شيء ، تظل "مزاغل الخوف" علامة روائية في أدب المقاومة ، مقومة الظلم ، مقاومة الديكتاتورية ، مقاومة الفساد ، وصرخة قد توقظ العالم العربي من ثباته ، وبرغم أنها صرخة ، فإن بها من دفء الإبداع وحرارة الفن ما يمكن أن يذيب الجليد المتجمد في مجتمعاتنا العربية .

هوامش :
1- يراجع كتاب " يونيو 67 وأثره في الرواية المصرية – الهيئة المصرية العامة للكتاب لكاتب هذه السطور .
2- مزاغل الخوف . جاسم الرصيف المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة الأولي 2004 - ص 315
3- ص 20
4- ص 17
5- ص 11
6- ص 309
7- ص 58
8- ص 255
9- ص 214

- شوقي عبد الحميد يحيى
shawkyshawky2004@yahoo.com



ـJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJ




رواية ممنوعة بشعرية الخوف ... عبد الحق ميفراني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ناقد ــ المغرب
ـــــــــــــــــــــــ

صدر للروائي العراقي جاسم الرصيف (مقيم في أمريكا) رواية بعنوان "مزاغل الخوف" في طبعة أولى عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، وتأتي هذه الرواية التي تقع في 358 صفحة لتتم مشروع جاسم الرصيف الروائي الذي بدأ بروايته "الفصيل الثالث" (1)

" رواية مزاغل الخوف هي عن أرض "خارجة عن القانون" في واقع الحال العراقي في الفترة المحصورة بين نهاية حرب الخليج الأولى 1980 -1988 وحرب الخليج الثانية 1991، وبشر مطارد في زمن يتناهبه القراد، عن وطن "يمشي على قدمين متعاديتين" .

بهذا التذييل يقدم الروائي جاسم الرصيف روايته مزاغل الخوف وهي عتبة دالة لولوج نص روائي ظل كاتبه وفيا في تنظيم بنائه بشكل تتوازى فيه أصوات السارد المتعددة والتي تحكي عن وطن مأساوي الملمح والرؤية ، من خلال وجه مصغر للوطن وهو هنا : الثالولة، حي التنك ، بتاريخ "يشبه رمالا صحراوية ، جافة ، ساخنة .. فلا أحد في الثالولة قادرا على وقف لعنة الكوارث" خصوصا في أرض "خارجة عن القانون" وفي هذه الأرض ، تقدم "مزاغل الخوف" مشهدا سورياليا لمأساة وطن ، تصل إباحيته المرة لدرجة التعفن ، وهي سير لوحدات مجتمعة ، تبني لشخوصها بعدا تنكشف مراتبه في تدرج خطي يتنامى ، فشخصية ستار عجقة ، وونسة خباثة، والشيخ بعيو وآخرون شخوص يعمقون بمحكياتهم لعبة الدوال في مزاغل الخوف بشكل نجد فيه أنفسنا أمام نص روائي يحتمل نصوصا موازية داخله ، إذ ثمة تنظيم واعي للعبة الحكي في الرواية ، وحضور عناوين معزولة لا تربط سارد/1 بسارد/2 تجعل من هذه التقنية التي وظفها جاسم الرصيف في رواياته السابقة نمطا خاصا بكتابات الروائي ، وخصوصية روائية انشطارية عن نص روائي حاضر بقوة.

إن العالم التخييلي الذي يقترحه نص مزاغل الخوف يولد أفعالا روائية تنتظم في انشطارها إلى حكايات تنمو بتوازي وصولا إلى انذغامها الكلي في حكاية واحدة هي الأساس لنحصل على ترسيمة تالية :

الثالولة ، حي التنك : حكاية ستار عجقة + حكاية ونسة خباثة + حكاية أنا + حكاية الشيخ بعيو..

تنتهي الرواية بجملة سردية أساسية : "انطفأت كل الفوانيس النفطية في حي التنك المقابل للقصر مساء "أول" جمعة صادفت احتلال الكويت" ، إن هذه الإشارة السردية هي بنية ينهض على خلفايتها النص الروائي ككل ، إذ يقدم السارد عمله الروائي وفق تزاوج العديد من البنيات الحكائية الصغرى والتي تقدم المشهد العراقي في مأساويته لحظة بلحظة في أرض تدخل وتخرج في حروب متوالية ، فأساس هذا العالم الغني الواسع الدلالات والمشبع بلغة جنسية تتوالد بقوة .

وكرواية السؤال لغالب هلسا تخفي اللغة الجنسية التي تصل إلى حدود إيروتيكية فاضحة ، وضع الاستيلاب والقمع الممارس على أجساد شخوص تخفي خلال هذا الكبت ، والممارسات الفاضحة جزء من وسخ الواقع المر ، الذين يعيشونه ، أما الروائي جاسم الرصيف فيقدم تصورا مختلفا إذ يفضح عراء عالم في تحرره السري والفاضح وحتى اللحظات التي يعلن فيها السارد الإله مستويات هذا التخييل والذي نراه خصوصية في أعمال جاسم الرصيف ، إذ أن اللغة الجنسية والمقاطع السريرية المطروحة هكذا في تناسق دلالي واضح هي جزء من عالم نفسي لنص موازي يتوافق مع بنية العمل الروائي ، فمزاغل الخوف هي صرخة مباشرة لفضح هذه ت تمارس عاداتها السرية دون الرغبة في التصريح، ولعل إصرار السلطات الأردنية على مصادرة الرواية بعذر أنها "إباحية" تطرح أكثر من سؤال لأن عمقها راجع لهذا الأساس ، أكثر من ثيمتها "محاولة اغتيال حقيقية جرت ضد صدام حسين أثناء احتفالات عيد الجيش العراقي في 6 كانون الثاني 1991 والتي حضرها الملك حسين وحسني مبارك وعلي عبدالله صالح ، إذ خطّط قائد العملية النقيب سطم الجبوري من أهالي قضاء الشرقاط / جنوب الموصل مع جماعته لتغيير أربعة أنظمة عربية في آن وذلك بنسف منصّة الإستعراض بمن فيها ، ولكن محاولته انكشفت في اللحظات الأخيرة قبل تنفيذها فأعدم المذكور مع جماعته ومنهم القاص والروائي حسن مطلك / كاتب رواية ( دابادا ) والحكم بالسجن المؤبد على القاص المعروف محمود جنداري ، الذي توفي بعد أسابيع من إطلاق سراحه بموجب عفو عام عن السجناء السياسيين !! وعلى هامش هذه المحاولة تم طرد أعداد كبيرة جدّاً من أبناء العشيرة التي ينتمي إليها النقيب سطم الجبوري ، ووضع المشتبه في ولائهم تحت المراقبة ومنهم الشخصية الرئيسية في الرواية الذي اعتقل بعد ذلك ونال أصنافا شتى من التعذيب !! وفي سياق السرد ورد وصف لتشبث صدام حسين بالانتماء إلى (سادة العرب) من (بني هاشم) وهذا ما أغاض السلطات الأردنية كما يبدو !!" (2).

إن البناء العميق الذي تنهض عليه مزاغل الخوف هو كشف هذا الوجه البشع للسلطة وتمركزها كحمولة إيديولوجية تؤسس بقيم الترهيب والتعسف وديكتاتورية بشعة أوجه آلية مغيبة لا أوجه المواطنة ، إن العمق التخييلي لرواية مزاغل الخوف مادة حية ، مميزة في متغيرها كبنية ونسق ، وكحمولة معرفية تؤسس مفارقات الدلالة والمعنى عبر اللعب على توظيف أرض عبارة عن وطن مصغر هو حي التنك ، وهي وحدة تتفرع منها وحدات فرعية حكائية لشخوص تواجه الخوف.. الخوف فقط ، وهو المجسم الوحيد الأساسي للدلالة .

وبعيدا عن هذا الفعل الحفري ، يتجه نص مزاغل الخوف في اتجاه استكمال مشروع روائي بدأ برواية الفصيل الثالث ، ، ولا زال يبني أفقه الروائي ، ويقدم هذا المتن حمولات كافية لإعادة قراءة راهن العراق ليس كجغرافية ولا كأيديولوجية ولا كشعارات سياسية ، إذ ثمة احتفاء بالعمق الإنساني الثاوي في خلفية التناول السردي للمحكي وثمة بنية عميقة مضمرة تحفر عميقا لتولد نصوصا تفضح الوجه البشع للسلطة لكنها سلطة فكرية أساسا بحمولاتها التي تتفرع من السياسي إلى الإنساني .

رواية مزاغل الخوف رواية تعيد سؤال الوعي بسيرة كتابة الحظر والمنع ، وهي إحدى أشكال كتابات المنفى في صياغاتها الإشكالية ، لتؤسس بوعي جديد أفق يتداخل التخييلي فيه على المستوى الحكائي بتأويل الاستعادة والاسترجاع ، ولعل خصوبة النص النقدي في استجلاء وعي الكتابة ، وتشريح للمادة الحكائية كفيل بتقديم معالم هذا الحس التخييلي المؤطر لشعرية الخوف.

الهوامش:
(1) جاسم الرصيف : روائي عراقي يقيم في أمريكا ، صدر له
- ( الفصيل الثالث ) 1983 من جزأين .
- ( القعر ) 1985 من جزأين في مجلّد واحد
- ( خطّ أحمر ) 1987 ، أعيد طبعها 2000
- ( حجابات الجحيم ) 1988 ، طبعة ثانية 2000
- ( أبجدية الموت حبّاً ) 1990 ، طبعة ثانية 2000
- ( تراتيل ألوأد ) 1992 ، طبعة ثانية 2000 ، طبعة ثالثة2004
- ( ثلاثاء ألأحزان السعيدة ) 2000 ، طبعة ثانية 2004

2 ) " أفق" / متابعات

وكالة أنباء رويترز / جورج جحا / عن الثالولة

[Reuters.com] [Reuters.com]

YOU ARE HERE: Home > News > أخبار المنوعات > Article
جاسم الرصيف: الثألولة وحي التنك والظلم والبؤس والسخرية
Sat Jul 9, 2005 8:49 AM GMT
Printer Friendly


بيروت (رويترز) - ما يميز رواية جاسم الرصيف "مزاغل الخوف" لا يتمثل بطريقة توزيع "فصولها" فهذا الأمر لم يضف إليها أمرا جديا بل اقتصر على "شكلية" هي على رغم ما فيها من جدة.. لا تقدم ولا تؤخر.. ولعلها تؤخر اذ تخلق ما قد يشبه الملل من تكرار الاسماء.

يتميز هذا الكاتب العراقي بقدرته على نقل أجواء الناس حركة وفكرا ومشاعر.. بسخرية دائمة وبشيء من الشعرية الحادة في غلالة من شبه الخرافة احيانا وبقدرة جلية ايضا على نقل اجواء عالم الظلم والفقر والجهل والاستغلال.

رواية الرصيف وهي تاسعة رواياته صدرت عن (المؤسسة العربية للدراسات و النشر) في 317 صفحة متوسطة القطع.

عنوان الرواية الداخلي حمل كلمات اضافية بعد "مزاغل الخوف" هي إيضاح لما تدور حوله الرواية وجاءت على الصورة التالية "عن ارض ..خارجة على القانون..وبشر مطارد في زمن يتناهبه القراد.. عن وطن يمشي الان على قدمين متعاديتين."

غلاف الكتاب حمل سطورا للناشر جاء فيها "مرة اخرى يحفر جاسم الرصيف في عمق المأساة العراقية من خلال مزاغل الخوف في حي بني على ارض خارجة على القانون بين حربي الخليح الاولى والثانية اللتين خلفتا وطنا ما زال يمشي على قدمين متعاديتين ومأساة ما زالت مرارتها الساخنة في كل مزاغل العراق."

تسير الرواية وفقا لنظام خاص بها فلا فصول ولا احداث متلاحقة من "الف" الى "باء".. الى ما بعدهما.. انما اسماء تتكرر وكأن كلا منها لازمة تطل ثم تغيب لتحل محلها اخرى وتستمر الحكاية.

تتكرر هذه الاسماء العناوين ما لا يقل عن 170 مرة في مجموعها ولكل اسم منها حصة هي ما بين صفحة وصفحة ونصف صفحة الي صفحتين. وتوزع ذلك كله على ثلاثة اقسام.

والاسماء هذه غالبيتها لاشخاص ومنها واحد هو اسم لمكان. المكان هو "الثألولة. حي التنك."

والثألولة هي واحدة الثاليل وقد شرحت في احد الهوامش بانها "زائدة جلدية لا يتخلص منها المرء الا بقطعها." والاسم هو كاسماء اخرى رمزي من ناحية وواقعي من ناحية اخرى. اسم المكان هذا فيه من الرمزية ان الثألولة نمو غير طبيعي ومشوه وقد يكون قابلا للامتداد.

انها تعبير عن احزمة الفقر التي تحيط بمدن العالم الثالث بشكل خاص او تتكامل معها.

وهي "صروح.. للفقر والقذارة والخروج على القانون وللجريمة من ناحية ورموز للحرمان والتمييز والظلم الاجتماعي كذلك. انها توأم مدن الصفيح او مخيمات الزنك او.. الزنكو.. اكانت فلسطينية ولدها الاقتلاع والتشرد ام نتائج للنزوح الاجتماعي او الهجرة الداخلية من الريف الى المدينة. القسم.. الواقعي.

من الاسم هو "حي التنك" نفسه الذي يختصر البيوت والاماكن التي تشهد الوف الولادات والافراح والاحزان والوفيات واستمرار هذه الامور كلها من فترة زمنية الى اخرى.. والتكاثر الذي يذكر بكرة الثلج المتعاظمة.

من الاسماء "ستار عجقة" والعجقة عراقيا كما في سائر بلاد الشام يقصد بها بالعامية "وصف لخلط الامور بعضها ببعض عن جهل او تجاهل" كما جاء في حاشية اخرى.

يضاف الى ذلك معنى اخر هو الضجيج والضوضاء. اسم عنوان اخر اختصر بكلمة هي الضمير "انا" ومن بعده ياتي اسم "ونسة خباثة" يليه الاسم او العنوان الاخير "الشيخ بعيو."

تبدأ الرواية بستار عجقة وقد اوقعه عمله بين مطرقتي رجال الشرطة وثوار يهربون الاسلحة الى مناطقهم بمساعدته. انه في مقدمة القافلة "يستكشف الطريق بسيارته المطفأة الاضواء."

"وبعد قليل يتوقف فجاة. شعر بحركة ما في حقل المنطقة القريب. ترددت في اذنيه... فتعالت ضربات قلبه. توقع ان تلتصق بانفه في اللحظة القادمة فوهة رشاشة شرطي او.. رفيق من الحزب.. ولكن هذا لم يحصل فتأكد انه حيوان بري مرعوب مثله..."

ننتقل بعد ذلك الى "انا" ونبدأ معه في السجن. يقول "زنيت على حصيرة جامع هكذا خيل لي وسط غرفة التوقيف.. النتنة" وهي اول تجربة له من هذا النوع اثر اتهامات باطلة منها فراره من الجندية.

اما "ونسة خباثة" فهي بنت الهوى التي تستقبل الرجال وتعاني من نقطة ضعف تجاه احد الثوريين الحالمين. تنظر الى جدار غرفتها فتقرأ "صار لكل شيء ثمنه بعد ان فقدت الاشياء ثمنها."

هكذا كتب على الجدار باحمر الشفاه دون معرفتها قبل ان يدخل رجال المخابرات ويعتقلوه. تخاف من انهياره تحت التعذيب وتوريطها في ما لا تعرفه ولا تفهمه.

ونصل الي اسم المكان "الثألولة. حي التنك." يقول الكاتب ان تاريخه بدأ باربعة قتلى حيث قتل صاحب الاسم الرمزي المعبر "ضايع عبد الموجود" زوجته وأولاده الثلاثة سرا بحجة فسقها وانهم ليسوا اولاده فعلا وتظاهر بالحزن والتصميم على الانتقام ودفنهم في المكان اي البرية المواجهة للمدينة وبني مسكنه هناك وما لبث المكان ان صار مدينة تنك.

وتقول الاشاعات وفي رمزية قتالة.. انه اكتشف بعد ذلك ان قصة عقمه كانت خطأ من الطبيب وان الاولاد هم اولاده فعلا فقضى على نفسه بالموت.

اخر الاسماء والعناوين المتكررة هو "الشيخ بعيو" وبعيو اسم شعبي يستدل به على الطبقة الفقيرة غير المتعلمة وهو تحريف لكلمة.. بعباع.

انه الطبقة الفقيرة التي يدغدغها الرئيس وينعم عليها مثل اهدائه الشيخ بعيو سيارة حمراء.

نقرأ "اهم موعد في حياة الشيخ بعيو يقترب الان وهو يستجمع افكاره متخيلا ما سيجري عند ما يستقبله.. السيد الرئيس.. وكان يحاول انتقاء مفردات بعينها من مفردات اللقاء المنتظر.. يا عزنا.. لا.. يا عز العرب.. لا بأس.. يا مهندس مصيرنا.. حلوة.. يا فخر الامة العربية.. احلى."

وتدور الاسماء راوية ماسي العراق والمفجع المبكي والمضحك. ولعل بعض ابلغ "الخلاصات" في الرواية يتمثل في لقاء الشيخ بعيو و "الرفيق امين السر" و.. الرؤؤس الكبيرة.. وعند نهاية اللقاء وقبيل الانصراف والاتفاق على لقاءات اخرى انطلق الرصاص والقذائف ودوت الانفجارات.

وتأتي النهاية "كاريكاتورية" اذ بحثت عينا الشيخ "مرعوبا غير مصدق ما يراه ويسمعه الان فرأى الرفيق امين السر منبطخا تحت سيارة بيك اب وراسه يتلفت مذعورا نحو.. الشيخ.. ونحو.. القصر.. و.. وادي الحرامية.. الذي انطلقت منه النار.

"ثم دوت متأخرة جدا نيران رجال الحمايات والمرافقين نحو.. مزبلة الشيطان.. ووسط ذعر اكثر من اربعمئة رجل وعدد لا يحصى من الاطفال والشحاذين والحيوانات المشردة.. فانطفات كل الفوانيس النفطية في.. حي التنك.. المقابل للقصر مساء.. اول.. جمعة صادفت بعد احتلال الكويت."

من جورج جحا


© Reuters 2005AllRightsReserved